طيب ماذا تقولون في القرء استعمل في الحيض والطهر؟ قالوا: هذا من قبيل .. لا بد واحد مجاز والآخر حقيقة، واختلفوا فيه: هل الأصل القرء حقيقة في الطهر مجاز في الحيض أو بالعكس؟ فيه خلاف، لكن ردوا هذا اللفظ إلى الحقيقة والمجاز، أو إلى المتواطئ يعني: يبحثون عن مخرج لهم، وأما القول بالاشتراك قال: هذا فيه إجمال، وإذا كان كذلك حصل اللبس، والعرب لا تريد بوضعها أن تُلبس على الناس.
نقول: إذا كان كذلك فالأصل في اللفظ إذا كان مشتركًا .. إذا كانت المعاني متحدة متوافقة لا متعارضة ومتنافية حُمل اللفظ على جميع المعاني فلا لبس، وإن كان المراد به عند التباين والتضاد واحد منهما فحينئذٍ نطلب مرجحًا، وإذا كان كذلك فحينئذٍ ليس فيه لبس البتة.
قال هنا: {وَرَدُّوا مَا قَالَ الأَكْثَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ إلَى التَّوَاطُؤِ أَوْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ} فقالوا: عسعس متواطئ لاختلاط الظلام بالضياء وبالعين موضوعة للصفاء، وقيل: حقيقة في الباصرة مجاز في غيرها وفي القرء والطهر حقيقة ومجاز، واختلفوا في أيهما بالحقيقة.
{وَعَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُشْتَرَكِ وَاقِعًا فِي اللُّغَةِ} إذًا: من منع وقوع المشترك في لسان العرب وفي القرآن من باب أولى وأحرى ادعى بأن المشترك فيه لبس؛ لأنه من قبيل المجمل، لكن نقول: لا يوجد مشترك في القرآن إلا ودل الدليل على أن المراد به كذا، لا بد من نصب دليل كما سيأتي في محله.
ثم بعدما بين لنا أن المشترك واقع قال: {لاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَفْهُومَيْهِ} (تَبَايَنَا أَوْ تَوَاصَلاَ بِكَوْنِهِ جُزْءَ الْآخَرِ أَوْ لَازِمَهُ) يعني: قد تكون المعاني متقاربة ليس بينهما تنافي، وقد تكون المعاني متنافية.
قال: (تَبَايَنَا) {وَهُوَ أَنْ لاَ يَصْدُقَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ. فَإِنْ لِمَ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا فَهُمَا مُتَضَادَّانِ, كَالْقُرْءِ الْمَوْضُوعِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ} وهذا واضح {وَإِنْ صَحَّ اجْتِمَاعُهُمَا فَهُمَا مُتَخَالِفَانِ} .
يعني: مصدق اللفظ المشترك قد يكونا متضادين، ولا شك أن الطهر ضد للحيض، إذا كانت المرأة طاهرة فليست بحائض، وإذا كانت حائضًا فليست بطاهرة، إذًا هما ضدان، وقد يكونا مختلفين.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ الأَسْنَوِيِّ: إنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ لَهُمَا بِمِثَالٍ} وإنما الموجود هو التضاد، وذكر بعضهم له مثال .. ذكره الزركشي في التشنيف قال: وصحة الجمع بين المعنيين يكون بأن يصح انتسابه إلى كل واحد من المعنيين في التركيب، قال: كقولنا العين متحيز، ونريد الجارحة والذهب. إذًا العين متحيزٌ بالتذكير ويجوز التأنيث.
ونريد الجارحة والذهب، حينئذٍ الجارحة والذهب مختلفان وليسا متضادين، التضاد هو ما لا يمكن اجتماعهما البتة: إما حائض وإما طاهر، وهنا خلافان: وهو ما صدق عليه الأول يمتنع أن يصدق عليه الثاني.