فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 1890

العبادة المخصوصة، هذا مجاز لغوي. والشرعي كالصلاة في الدعاء. والمجاز العرفي كالدابة في ذوات الأربع، هل شمله التعريف؟ نقول: نعم، ولذلك قال: (بِوَضْعٍ ثَانٍ) وليس المراد به الوضع اللغوي، وإنما المراد به باعتبار الواضع، فيدخل فيه الواضع إذا كان أهل اللغة أو الشرع أو العرف، فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد قد يكون حقيقة باصطلاح، مجازًا باصطلاح آخر كما مر المثال السابق، كلفظ الصلاة مثلًا بالنسبة إلى الدعاء فإنه حقيقة باصطلاح أهل اللغة، مجاز باصطلاح أهل الشرع، وبالنسبة للأفعال المخصوصة بالعكس، حقيقة في الشرع مجاز في اللغة.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ يُعْتَبَرُ لاَزِمٌ ذِهْنِيٌّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ) يعني: فيما سبق قلنا: لا بد من تلازم في المعنيين، هل المراد به اللزوم الذي هو عدم الانفكاك؟ يعني: هل المراد باللزوم هنا اللزوم المنطقي أم المراد به الترابط والارتباط فحسب في الغالب؟ الثاني، فقول الأصوليين كقول البيانيين في معنى اللزوم أعم من معنى اللزوم عند المناطقة، فلا يفسر هذا بذاك، ولذلك قال: {وَلاَ يُعْتَبَرُ لاَزِمٌ ذِهْنِيٌّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ} يعني منقول منه وإليه، وإن كان مبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وليس معنى اللزوم هنا عدم الانفكاك في الذهن كما هو الشأن عند المناطقة أو الخارج، بل تلاصق واتصال ينتقل بسبب من أحدهما إلى الآخر في الجملة، يعني ارتباط وعلاقة بين المعنيين، قد ينفك في الخارج دون الذهن، أو قد ينفك في الذهن دون الخارج، المراد فقط: الترابط والالتزام.

{وَلاَ يُعْتَبَرُ لاَزِمٌ ذِهْنِيٌّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَجَازَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَارِيَّةٌ عَنْ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ} .

ثم قال رحمه الله تعالى بعدما بين لنا حقيقة المجاز، لماذا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز؟ لماذا؟ إذا كان الأصل في استعمال اللفظ هو الحقيقة لماذا ننتقل إلى المجاز؟ قال: (وَصِيرَ إلَيْهِ) يعني: عُدل إليه، {إلَى الْمَجَازِ} لأمور، ذكر منها ثلاثة، قال: (لِبَلاَغَتِهِ) {أَيْ: بَلاَغَةِ الْمَجَازِ، كَصَلاَحِيَتِهِ لِلسَّجْعِ وَالتَّجْنِيسِ وَنَحْوِهِمَا} وهذا لا إشكال فيه، وهو واضح.

{أَوْ} (ثِقَلِهَا) يعني: ثقل لفظ الحقيقة، فيأتي بلفظ هو مجاز لكنه خفيف على اللسان.

قالوا: {كَالْعُدُولِ عَنْ لَفْظِ الْخَنْفَقِيقِ -بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ, وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ, وَكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَآخِرُهُ قَافٌ- اسْمٌ لِلدَّاهِيَةِ} خنفقيق {إلَى لَفْظِ النَّائِبَةِ أَوْ الْحَادِثَةِ} النائبة هذا مجاز، والحادثة مجاز، والخنفقيق هذه حقيقة، وفيها ثقل على اللسان، لكنه ليس بكثير، هذا قليل.

(وَنَحْوِهِمَا) {أَيْ نَحْوِ ما ذكر من بَلاَغَةِ الْمَجَازِ وَثِقَلِ الْحَقِيقَةِ مِنْ بَشَاعَةِ اللَّفْظِ, كَالتَّعْبِيرِ بِالْغَائِطِ عَنْ الْخَارِجِ} هذا مجاز {وَمِنْ ذَلِكَ جَهْلُ الْمُخَاطَبِ الْحَقِيقَةَ} وهذا إن وجد.

{أَوْ كَوْنُ الْمَجَازِ أَشْهَرَ مِنْهَا} المجاز أشهر من الحقيقة وأعرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت