{أَوْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُتَخَاطِبَيْنِ, وَيَقْصِدَانِ إخْفَاءَهُ عَنْ غَيْرِهِمَا} وهذا كذلك، يعني معنى ثالث ولا أريد اللفظ الحقيقي، وآتي بلفظ المجاز من أجل الإخفاء والتلبيس على الغير.
{أَوْ عِظَمُ مَعْنَاهُ} يعني فيه معنىً عظيم ليس في الحقيقة، كقوله: {سَلاَمُ اللَّهِ عَلَى الْمَجْلِسِ الْعَالِي} ما قال على زيد، قال: على المجلس العالي، {فَهُوَ أَرْفَعُ فِي الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ: سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْك، أَوْ كَوْنُ الْمَجَازِ أَدْخَلَ فِي التَّحْقِير لِمَنْ يُرِيدُهُ} فهذه ثمان فوائد في العدول عن الحقيقة إلى المجاز.
ثم قال: (وَيُتَجَوَّزُ بِسَبَبٍ قَابِلِيٍّ) .. إلى آخره، يعني: يصار إلى المجاز لعلاقة كما مر في الحد
السابق، فلا بد من علاقة بين المجازي والحقيقة، ولا يكفي مجرد الاشتراك في أمر ما، وإلا لجاز إطلاق كل شيء على ما عداه، وإنما يصار إلى المجاز قال: {فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَلاَقَةِ} يعني: لعلاقة هل هي محصورة أو أنها غير محصورة؟ المشهور عند البيانيين والأصوليين أنها محصورة واختُلف في العد، فأكثر ما قيل: بضع وثلاثون نوعًا من أنواع العلاقة، وهذه ليست بكثيرة، لكن الصحيح أن أكثرها متداخل بعضها في بعض، وما ذكره المصنف هنا خمسة وعشرين نوعًا من أنواع العلاقة.
قال الآمدي: كل جهات التجوز لا تخرج عن هذا.
وقال ابن قاضي الجبل: حصروا العلاقة بناءً على الاستقراء في خمسة وعشرين نوعًا،
وأوصلها الصفي الهندي إلى أحد وثلاثين نوعًا، وزاد غيره عليه.
وقال بعضهم: فيها تداخل. وهذا هو الصحيح .. أن فيها تداخل، ولذلك السيوطي في
عقود الجمان وهي مؤلفة في أصلها في المجاز لم يتجاوز عشرة أنواع من العلاقة، وبعضها داخل في بعض.
قال: (بِسَبَبٍ قَابِلِيٍّ) يعني: النوع الأول من أنواع العلاقة: إطلاق السبب على المسبَّب، وحينئذٍ ما هو المجاز؟ السبب، وما هو الحقيقة؟ المسبَّب.
{وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ} ، يعني هذا النوع الأول أربعة أقسام.
{الأَوَّلُ: الْقَابِلِيُّ} يسميه البعض المادي، بسبب قابلي، وسماه بعضهم المادي، {أَيْ عَنْ مُسَبَّبٍ, وَهُوَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَابِلِهِ} يعني الذي يقبله، تقبَّل الشيء وقبِله يقبَله قَبولًا بفتح القاف.
{كَقَوْلِهِمْ سَالَ الْوَادِي} هنا فيه مجاز عن الماء، الوادي هذا اسم للمحل، تجَّوز به عن الماء، والأصل: سال الماء في الوادي، لماذا؟ لكون الوادي يقبل سيلان الماء، هكذا مثَّل به المصنف هنا، وإن كان هذا أقرب إلى التجوز بالمحل عن الحال، وهذا أقرب إلى ما ذكره رحمه الله تعالى.
قال هنا: {كَقَوْلِهِمْ: سَالَ الْوَادِي, وَالأَصْلُ: سَالَ الْمَاءُ فِي الْوَادِي, لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَادِي سَبَبًا قَابِلًا لِسَيَلاَنِ الْمَاءِ فِيهِ, صَارَ الْمَاءُ مِنْ حَيْثُ الْقَابِلِيَّةُ كَالْمُسَبَّبِ عَنْه، فَوُضِعَ لَفْظُ الْوَادِي مَوْضِعَهُ} (بِسَبَبٍ قَابِلِيٍّ) سماه بعضهم مادي.