وهذه الأمور من الأمر والنهي والعموم والخصوص والإطلاق وغيرها تعتبر من أنواع الدليل الشرعي الكلي الذي هو القرآن، فالأصولي يبحث في هذه الأنواع وما تفيده، فمثلًا باستقراء النصوص يتوصل إلى أن الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم، والعام يتناول جميع ما يصلح له، وهكذا .. ، فالأدلة كقولنا: الكتاب؛ يُثبت الحكم، أو أنواعها كقولنا: الأمر للوجوب، أو أعراضها الذاتية كقولنا: العام يتمسك به في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنواع وأعراضها الذاتية كقولنا: العام المخصوص حجة فيما بقي هي موضوع هذا العلم، وهو مذهب الجمهور. المراد هنا: أن الدليل الإجمالي له أوصاف وأعراض ذاتية، وهذه الأوصاف والأعراض البحث فيها هو وظيفة الأصولي، وهذا مذهب الجمهور وهو أن موضوع أصول الفقه: الأدلة فقط، وليست الأحكام الشرعية التي هي الإيجاب والتحريم داخلة في مسمى الموضوع.
وأما الأحكام الشرعية فهي ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء ليست من الشيء، ثمرة الشجرة ليست هي عين الشجرة، فحينئذٍ ثَمَّ مغايرة بين النوعين وبين الوصفين، فإذا كان كذلك فحينئذٍ من أدخل الأحكام الشرعية .. تصَوُّر الأحكام الشرعية الخمسة وغيرها نقول: هذا فيه شيء من المغالطة؛ لأنه أدخل شيئًا ليس من موضوع أصول الفقه.
الاَحْكَامُ وَالأَدِلَّةُ المَوْضُوعُ ... وَكَونُهُ هَذِي فَقَطْ مَسْمُوعُ
يعني: الثاني مسموع وهو قول الجمهور، وهو الصحيح، حينئذٍ المبحوث عنه في هذا العلم هو: أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية.
قال ابن حمدان في مقنعه: (موضوعه -يعني موضوع أصول الفقه-: ما يبحث في علم أصول الفقه عن أحواله على وجه كلي وهو الأدلة المذكورة) إذًا: اختص بالأدلة المذكورة، وإذا كانت الأدلة هي موضوع هذا العلم -تقرر ذلك- فلا تكون من ماهيته، يعني: لا نأت عند تعريف أصول الفقه فنقول: أصول الفقه هو: أدلة الفقه الإجمالية .. إلى آخره، كما شاع عند كثير من المتأخرين.
موضوع علم الفقه وله علاقة بأصول الفقه هو: أفعال العباد، أفعال العباد من حيث ماذا؟ من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها، لأن ما يصدر عن العبد من قول أو فعل أو ترك سواء كان القول باللسان أو بالقلب، أو الفعل باللسان والجوارح، وقول اللسان يسمى فعلًا، وكذلك فعل القلب .. كل ذلك يتعلق به أحكام شرعية: فمنه واجب، ومنه محرم، ومنه مكروه، ومنه مندوب، ومنه مباح. فإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ الأحكام الشرعية تنزل على هذه الأفعال، فبحث الفقيه إنما يبحث في ماذا؟ لا في الأدلة ولا في أحوال الأدلة، وإنما يبحث في ماذا؟ في فعل العبد، تصرفك أنت: من مشي وقول .. إلى آخره، فيُثبت لهذه الأفعال حكمًا شرعيًا، فما يصدر عنك من مشي نقول: هذا المشي واجب، وهذا المشي مندوب، وهذا المشي حرام، وهذا المشي مكروه, وهذا مباح، فالمشي واحد وهو فعل صادر عن العبد، والنظر فيه يكون من جهة الفقيه ليثبت الأحكام الشرعية التي أخذها عن الأصولي لهذه الأفعال.