قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَلَا بُدَّ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمًا أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا وَيَعْرِفَ غَايَتَهُ وَمَادَّتَهُ) يعني قال لك: مُقَدِّمَةٌ مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ) ثم بين لك موضوع أصول الفقه، هنا أراد أن يبين لك ماذا؟ أن يبين حقيقة أصول الفقه، لكن أراد أن يشوِّق، وأن ينص لك بأن طالب علم أصول الفقه لا بد أن يتصور أولًا قبل الشروع في الفن: حقيقة أصول الفقه ولو بوجه ما، يعني فيه شيء من الإجمال، لأنه لا يمكن أن يتصور حقيقة أصول الفقه إلا من ضبط أصول الفقه على وجهه وأركانه وأصوله، وهذا يكون لمن؟ للمنتهي، وأما المبتدئ فهذا لا يمكن أن يتصوره، وإنما يذكر له شيء على جهة التقريب، ولذلك يقال: (بِوَجْهٍ مَا) يعني: بجهة من جهة الإجمال، وأما على جهة التفصيل والحقيقة والإدراك فهذا لا يمكن أن يتصوره المبتدئ؛ لأنه يكون للمنتهي، ولذلك التعاريف إنما تكون لمن يجهل، يعني من يعرف حقيقة أصول الفقه لا يقال له: ما هو أصول الفقه؟ أو لا يسأل هو .. لا يسأل يقول: ما هي حقيقة أصول الفقه؟ لأنه يعلمها، وكذلك من يعرف حقيقة النحو لا يسأل يقول: ما هي حقيقة النحو، وإنما التعاريف والحدود تكون لشيء يجهله السائل فيحد له أو يرسم له.
قال: (وَلَا بُدَّ) {أَيْ لاَ فِرَاقَ} (لِمَنْ طَلَبَ عِلْمًا) أي: حاوله وجاهد أن يطلب علمًا ما، (علمًا) نكرة .. هنا التنوين للتنكير، وهو نكرة في نفسه، وحينئذٍ (علمًا) أيَّ علمٍ، أي علم كان، سواء كان علمًا شرعيًا أو كان علمًا عقليًا، حينئذٍ لا بد أن يعرفه من ثلاثة أمور ليحصل له التصور بوجه ما.
أولًا قال: (أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا) مَا: هذه نكرة واصفة، أي: بوجهٍ أيِّ وجهٍ، قال الشارح: {أَيْ بِوَجْهٍ مِنْ الإجْمَالِ} والتصور متعلق المفردات، بمعنى: أن التصور هو إدراك المفرد، وأصول الفقه ماذا؟ مفرد أو مركب؟
نحن نقول: تصور، هذه عبارة من؟ عبارة المناطقة، وإذا كان كذلك ليس عندهم تفصيل، ليس عندهم إلا قول واحد وهو أن أصول الفقه مفرد وليس بمركب.
قال هنا: (أَنْ يَتَصَوَّرَهُ) والتصور إنما يحصل بماذا؟ بمعرفة الحد أو الرسم.
(إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ) متى؟ إذا أدرك المفردات، والحدود هي من قبيل المفردات لا من قبيل المركبات.