(أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا) {أي: بِوَجْهٍ مِنْ الإِجْمَالِ؛ لأَنَّ طَلَبَ الإِنْسَانِ مَا لاَ يَتَصَوَّرُهُ مُحَالٌ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ} يعني: هذا ليس في هذا الزمن، هذا الزمن موجود، بمعنى: أنه لا يمكن أن يطلب أصول الفقه دون أن يعرف ما حقيقة أصول الفقه، فلا بد أولًا أن يتصوره بوجه ما، لماذا؟ قال: {لأَنَّ طَلَبَ الإِنْسَانِ مَا لاَ يَتَصَوَّرُهُ مُحَالٌ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَطَلَبُ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ جِهَةِ تَفْصِيلِهِ مُحَالٌ أَيْضًا} يعني: إذا تحقق عنده أصول الفقه لا يمكن أن يطلب أصول الفقه، لأنه من باب تحصيل الحاصل، كمن صلى المغرب حينئذٍ لا يمكن أن يصلي المغرب، إذا أجزأت الصلاة الأولى حينئذٍ لو صلى مرة ثانية صارت نفلًا؛ لأن الفرض واحد ولا يتعدد، ولذلك من شرط المكلف به: أن يكون معدومًا، فإذا كان موجودًا صار محالاَ .. لا يمكن تحصيله البتة.
(وَيَعْرِفَ غَايَتَهُ) هذا الوجه الثاني .. والأمر الثاني: أن يعرف غايته، والمراد بالغاية هنا: الثمرة، ما الفائدة من هذا الفن؟ لماذا ندرسه؟ لماذا نتعب أنفسنا؟ لماذا نحفظه؟ لماذا نحضر؟ إلى آخره .. هل هو عبث؟ الجواب: لا، حاشا أن يكون مسلم يعبث بوقته فضلًا عن طالب علم، وحينئذٍ لا بد أن يعرف الغاية التي تترتب على هذا العلم.
{لِئَلاَ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِهِ عَابِثًا} لأنه تضييع للعمر فيما لا يعلم له فائدة، والله المستعان.
(وَمَادَّتَهُ) يعني الأمر الثالث الذي يتعين أن يعرفه: مادته، والمراد بالمادة هنا: الاستمداد، يعني ما يُستمدُّ هذا العلمُ منه، من أي شيء أُخذ؟ هل أُخذ من لسان العرب؟ هل أُخذ من علم الحديث؟ هل أُخذ من علم الفقه أو غير ذلك؟ سيأتي أنه مركب من عدة فنون.
(مَادَّتَهُ) {أَيْ: مَا يُسْتَمَدُّ ذَلِكَ الْعِلْمُ مِنْهُ; لِيَرْجِعَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ إلَى مَحَلِّهَا} لأن علم أصول الفقه مركب من عدة فنون، فحينئذٍ النظر في ما لا يتعلق به أصول الفقه يؤخذ من مظانه، هذا هو الأصل، فالنظر في المسائل المنطقية التي يذكرها الأصوليون الأصل فيها أن تُذكر على جهة الإجمال، وهذا إذا كان هذا العلم يُدَّرس على جهة الانفصال، يعني: يُفصل عن علم أصول الفقه، وأما إذا كان لا يدرس إلا عن طريق هذا الفن فلا بد من دراسته.
كذلك مثلًا الاشتقاق، الاشتقاق كان فيما مضى علمًا مستقلًا، له كتبه ومتونه وتدريسه .. إلى آخره، فحينئذٍ لا يمكن في هذا الزمن أن يؤخذ علم الاشتقاق على جهة الانفصال، فيؤخذ عن طريق أصول الفقه.