{إذْ لا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي حَيْضَةٍ، وَتَصْحِيحُ الْكَلامِ هُنَا إِمَّا بِدَعْوَى زِيَادَةِ لَفْظِ حَيْضَةٍ} يعني: إن حضتما فأنتما طالقتان، فكلمة حيضة زائدة، على أنه مجاز زيادة، فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى إِنْ حِضْتُمَا وَإِمَّا بِدَعْوَى الإِضْمَارِ وهو الحذف، الإضمار هو الحذف يعني: وهو النقص، وتقديره: وَتَقْدِيرُهُ:"إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً، وعلى القاعدة السابقة: أن هذا التوجيه مقدم على الزيادة."
{إِنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ} حذفنا كلمة حيض وقلنا: هذا مجاز بالزيادة، أو نقدر: إن حاضت كل واحدة منكما حيضة فأنتما طالقتان، الثاني على القاعدة مقدم على الأول؛ لأنه دار الأمر بين زيادة حيضة وبين إبقائها وتقدير محذوف، وحينئذٍ الأكثر في كلام العرب الحذف أكثر من الزيادة، فيعلق الحكم هنا بالحذف.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ لأَصْحَابِنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: سُلُوكُ الزِّيَادَةِ على ما سبق. {وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ} .
{وَالْوَجْهُ الثَّانِي: سُلُوكُ النَّقْصِ، وَهُوَ الإِضْمَارُ} هنا قال: {وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ} مع أنه مخالف للقاعدة، وهذا كثير يحدث عند الفقهاء في باب التأصيل، في الأصول تذكر القاعدة ثم يكون هو المذهب ثم يُخالَف، وحينئذٍ يُنظر في طلب سبب الخروج عن القاعدة، لا بد من النظر.
{الثَّانِي: سُلُوكُ النَّقْصِ، وَهُوَ الإِضْمَارُ، فَلا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً} على ما سبق.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُطَلَّقَانِ بِحَيْضَةٍ مِنْ إِحْدَاهُمَا؛ لأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا وَجَبَ إضَافَتُهُ إلَى إِحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) ).
{الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لاَ يُطَلَّقَانِ بِحَالٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقَعُ الطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ} . إن حضتما حيضة هنا يقال: إن لم ينو لا زيادة ولا حذفًا فالقول الرابع هذا مرجَّح، صحيح؟ إذا لم ينو حذفًا ولا زيادة فالقول الرابع مرجَّح أنه لا تطلقان، لماذا؟ لأنه علقه على محال، فتبقى، لو قال لزوجته: أنتِ طالق إن خرج المهدي وما خرج المهدي، حينئذٍ تبقى إلى أن يخرج المهدي، قد تموت قبل وقد يموت هو، لكن الطلاق يبقى معلقًا، هنا علقه على محال .. ممكن خروج المهدي، لكن هنا علقه على محال، هل يمكن أن يوجد؟ نقول: لا يوجد، لكن إذا نوى حينئذٍ يُنظر فيه، هل يُرجَّح فيه الزيادة أو يُرجَّح فيه النقص؟ على ما غلب في كلام العرب يُرجَّح فيه النقص على القاعدة المذكورة.
قال رحمه الله تعالى: فصلٌ (الْكِنَايَةُ حَقِيقَةٌ إِنْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ وَأُرِيدَ لَازِمُ الْمَعْنَى) هذا فصل عقده في الكناية والتعريض.
{وَالْبَحْثُ فِيهِمَا مِنْ وَظِيفَةِ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ} البحث كله هذا وظيفة علماء البيان والمعاني.