وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له بعد أن كان متصفًا بضده، وضد الكمال نقص، ولا يرد حينئذٍ صفات الأفعال الاختيارية، فإنها وإن كانت تحدث في وقت دون وقت، يعني: هي حادثة الآحاد لكنها أزلية النوع، ودل على ذلك حديث الشفاعة كما في البخاري:"إن ربي قد غضب اليوم"قيَّده"قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله"هذا فيه نفي"ولن يغضب بعده مثله"إذًا: وُجد ولم يوجد، وُجد في وقت دون وقت؛ لأن الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، الحدوث بهذا الاعتبار: كونه قابلًا للغضب من حيث أصل الصفة .. نوع، ثم الآحاد قد يوجد ولا يوجد نقول: هذا ليس ممتنع على الباري جل وعلا، ولوجود النصوص الدالة على ذلك، لأنه بمشيئة الباري جل وعلا، وأخبر به عن نفسه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام! أو لا؟ هو متكلم بالأمس وتكلم اليوم، وحينئذٍ نقول: لا يصح أن يقال: تكلم اليوم ولم يكن متكلمًا بالأمس، ولا يُطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلَّم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام ولم يكن حادثًا فيما سبق، ولو كان غير متكلمٍ لآفة كالصِّغر والخرَس وتكلم حينئذٍ تقول: حدث له الكلام، أليس كذلك؟ فالحدوث يختلف، فمن كان متكلمًا ولم يتكلم في وقت لعدم مشيئته لا يوصف بكونه إذا تكلم أنه حدث بعد أن لم يكن، لماذا؟ لأنه إن وُجد فهو وُجد بالفعل، وإن لم يوجد فهو موجود بالقوة لكن لم تتعلق به المشيئة، بخلاف الأخرس والصغير إذا تكلم نقول: حدث له؛ لأنه لم يكن سابقًا، ولم يكن متكلمًا بالقوة كذلك؛ لأنه منفي عنه.
ثم تكَّلم، يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلمًا بالقوة، بمعنى: أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلِّمًا بالفعل، ولا يخرج عن كونه متكلمًا في حال عدم مباشرته للكلام.
إذًا: صفات الباري جل وعلا أزلية، والأفعال الاختيارية التي توجد في وقت دون وقت نقول: هذه أزلية النوع حادثة الآحاد، وهذا الحدوث لا يلزم منه الخلق أولًا، ولا يكون ممتنعًا على الباري جل وعلا.
ثم قال: (وَالْمُشْتَقُّ حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ حَقِيقَةٌ) إجماعًا، لفظ مشتق حال وجود الصفة، أي: قيامها بالموصوف، كقولنا لمن يضرب حال وجود الضرب منه: ضاربٌ، ولمن يقتل: قاتلٌ، ولمن يصلي .. يركع ويسجد: هذا مصلٍ، هذا وصفٌ حال وجود الصفة .. قيامها بالموصوف، هذا حقيقة إجماعًا.
ثم اختلف العلماء في إطلاق الاسم المشتق بعد انقضاء الصفة -هذه الحالة الثالثة- هل هو حقيقة أم لا؟
قال المصنف هنا: (وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا مَجَازٌ) مطلقًا دون تفصيل.
(وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا) {أَيْ: انْقِضَاءِ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْفَرَاغُ مِنْ الضَّرْبِ} (مَجَازٌ) {عِنْدَ الْقَاضِي, وَابْنِ عَقِيلٍ, وَالْحَنَفِيَّةِ, وَالرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ, بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ} ويعبَّر عنه -عن هذه المسألة- باشتراط بقاء المشتق منه في صدق المشتق حقيقة.