باشتراط بقاء المشتق منه، يعني: المعنى، في صدق المشتق على الفرع حقيقة، سواء كان المشتق مما يمكن حصوله بتمامه وقت الإطلاق كالقيام والقعود ونحوهما، فيقال: قائم وقاعد، أو لا يمكن، كما لو كان في الأعراض السيالة كالكلام والتحرك، فيقال: متكلم ومتحرك مما لا يكون ويوجد دفعة واحدة، وإنما يأتي شيئًا فشيئًا. فعلى هذا المذهب -وهو ما اختاره المصنف- أن إطلاقه عليه مجاز مطلقًا، قال في المحصول: إنه الأقرب.
إذًا: بعد انقضاء الحدث أو زوال الصفة حينئذٍ نقول: إذا اشتُقَّ وأُطلق اللفظ على الفاعل نقول: هذا مجاز، مجاز مطلقًا، يعني: سواء كان المصدر يقع دفعة واحدة، القيام يقع دفعة واحدة، بعض المصادر أو الأحداث تسمى الأحداث السيالة أو المصادر السيالة التي لا توجد دفعة واحدة، وإنما توجد شيئًا فشيئًا، مثلًا: درسنا الليلة من المغرب إلى العشاء لا يقع دفعة واحدة في ثواني هكذا، وإنما يقع شيئًا فشيئًا، حينئذٍ إطلاق الوصف في حال الدرس هل هو بعد الانقضاء أو ننتظر حتى ينتهي وحينئذٍ نقول: هو بعد الانقضاء؟ هذا محل نزاع، لماذا؟ لأن الزمن ثلاث، الأزمان ثلاثة: ماض وحال ومستقبل، واعتبار الحدث باعتبار المتكلم باعتبار هذه الأزمنة الثلاثة، فإذا وقع الصيام أو الظرب في الزمن الماضي حينئذٍ وقع وانتهى، وما سيأتي في المستقبل سيأتي، لكن الحال ما مدلوله؟ قالوا: الحال هو آخر أجزاء الزمن الماضي وأول أجزاء الزمن المستقبل، ولذلك قيل: لا وجود له، أنكر بعضهم الزمن الحال، قال: لا يمكن، لماذا؟ لأنك إذا قلت: قام زيد، إذا قلت: قا .. انتقلت إلى الألف؛ القاف صارت في الزمن الماضي، وإذا انتقلت إلى الميم قام الألف صارت في الزمن الماضي، والزاي في الزمن الماضي، والياء في الزمن الماضي، والدال في الزمن الماضي، إذًا: متى يكون حالًا؟ وقت النطق بالحرف، وحينئذٍ هل هذا يشار إليه ثم يُستنبط أو يُشتق له صيغة فيقول ويقوم ويصلي؟ قالوا: لا، لا يصح هذا، لماذا؟ لأن الآنات التي بين الزمن الماضي والمستقبل لا يمكن الإشارة إليها البتة؛ لأنها سريعة الانقضاء، فالمصادر السيالة التي تقع شيئًا فشيئًا متى نقول بعد انقضاء الحدث أو الوصف؟ هل هو بعد انتهاء المصدر من أوله إلى آخره أو أنه في أثناء المصدر إذا أُطلق عليه باعتبار ما سبق يكون مجازًا، وباعتبار ما سيأتي يكون مستقبلًا، وباعتبار الحال يكون حقيقة، هل نُجزئ أم نعتبر الوصف العام؟ المصنف هنا اختاره على جهة الإطلاق، ولم يفرق بين المصادر التي تقع دفعة واحدة وبين المصادر السيالة، فقال: (وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا مَجَازٌ) هذا قول، مجاز مطلقًا يعني: دون تفصيل.
{وَعِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ -لكن- عَقِبَ الْفِعْلِ} يعني: مباشرة.