فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 1890

المذهب الثالث: التفصيل بين ما يمكن الحصول بتمامه كالقعود، فيشترط بقاؤه، ولا يصدق"القاعد"حقيقة بعد انقضاء القعود، وبين ما لا يمكن كالمصادر السيالة، كالكلام، فوجود آخر جزء منه كافٍ في الإطلاق الحقيقي، يعني: ما كان من مثل: قاعد وجالس الذي يقع دفعة واحدة حينئذٍ يكون باعتباره مجاز، ولا إشكال فيه، لكن في المصادر السيالة إن أُطلق وأدرك آخر جزء منه فكان الإطلاق حقيقي لا مجازي، هذا تفصيل بين المصادر التي تقع أحداثها دَفعة واحدة وبين المصادر السيالة، وحينئذٍ إطلاق الوصف بأن زيدًا متكلم ولو عند الدال من زيد من قولك: قام زيد يعتبر حقيقة، لماذا؟ لأنه أدرك آخر جزء من المصدر السيال، وعلى القول السابق الذي اختاره المصنف يكون مجازًا.

{وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو الْخَطَّابِ, وَجَمْعٌ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَقَاءُ الْمَعْنَى كَالْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ, كَالْكَلاَمِ وَالتَّحَرُّكِ وَنَحْوِهِمَا, فَحَقِيقَةٌ} لوجود الفعل وتعذر بقائه، {وَإِلاَّ فَمَجَازٌ} كالضرب والقيام والقعود ونحوها.

{وَاحْتَجَّ لِمَا فِي الْمَتْنِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَيَصْدُقُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ} وصحة النفي علامة المجاز، لكن هل يصح هذا أن ينفى؟ زيد يتكلم نقول: تكلم وانتهى؟ هل يصح هذا أن ينفى؟ الجواب: لا، أنه لا يصح، ولذلك التفصيل بين ما ينقضي بتمامه وبين ما لا ينقضي هو الأولى، ولذلك إذا قيل: زيدٌ يصلي وهو يصلي الآن؛ حينئذٍ مضت ركعة وهو في ركعة ثانية وتبقى ركعة ثالثة، هو في الثانية تقول: زيدٌ يصلي، هل يصلي هذا حقيقة أو مجاز؟

الفعل هنا الصلاة من المصادر التي توجد شيئًا فشيئًا، الصلاة التي هي عبادة مخصوصة توجد شيئًا فشيئًا، فإذا أُطلق قيل: زيدٌ يصلي يعني الآن فحينئذٍ باعتبار الركعة الأولى مجاز، وباعتبار ما سيأتي مجاز، وباعتبار الركعة الثالثة نقول: هذا حقيقة، لكن الصواب أنه يقال: أنه حقيقة؛ لأن العبرة بإيقاع اللفظ في أي جزء من أجزاء المصادر السيالة، وإلا لصار المجاز أكثر من الحقيقة، وقد رددنا اليوم قول ابن جني: أن المجاز غالب في اللغة:

وَلَيْسَ بِالْغَالِبِ فِي اللُّغَاتِ ... وَالخُلْفُ فِيْهِ لاِبْنِ جِنِّي آتِ

وحينئذٍ نقول: على هذا القول بأن المصادر السيالة وما أكثرها ومنها الأفعال هذه لو قيل: بأنه لا يصدق إلا بعده فحينئذٍ نقول: صار المجاز أكثر من الحقيقة، بل الصواب أنه متى ما أطلق اللفظ في أثناء المصادر السيالة فهو حقيقة، ما دام أنه أدرك جزءًا من أجزائها.

قال هنا: بِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَيَصْدُقُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا إطْلاَقُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمَيِّتِ فَحَقِيقَةٌ; لأنَّ الإيمَانَ لاَ يُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله تعالى: وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ النُّبُوَّةِ, وَلاَ تَزُولُ بِالْمَوْتِ.

إذًا: هذه قاعدة: (وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا مَجَازٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت