قال رحمه الله تعالى: (وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا) هذه جملة معترضة، ليبين لك أن هذا الاستعمال للأصل هو المراد هنا، أين هنا؟ في هذا المسجد؟ في هذا العِلْم، فحينئذٍ: أصول الفقه المراد بها أدلة الفقه. أصول هنا جمع أصل، والمراد به هنا: الدليل والأدلة، بناءً على ماذا؟ على أن أكثر استعمال الأصوليين الأصل بمعنى الدليل، فإذا قالوا: أصول الفقه؛ عنوا به أدلة الفقه، وهذا هو المعنى اللغوي هنا.
(وَعَلَى الرُّجْحَانِ) يعني: الإطلاق الثاني في عرف الأصوليين وغيرهم يطلق على الرجحان، يعني: {عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الأَمْرَيْنِ. كَقَوْلِهِمْ: الأَصْلُ فِي الْكَلاَمِ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ} يعني: الراجح عند السامع أن يحمل الكلام على حقيقته دون أصله .. الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، أي: الراجح عند السامع، {وَالأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ} يعني: الراجح هو عدم التكليف. {وَالأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ} وحينئذٍ الأصل في هذا الموضع يفسر بماذا؟ بالراجح أو الرجحان.
الإطلاق الثالث قال: (وَالْقَاعِدَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ) أي: الأمر المستمر، {كَقَوْلِهِمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عَلَى خِلاَفِ الأَصْلِ} يعني: عَلَى خِلاَفِ القاعدة الْمُسْتَمِرَّةِ، ما هي القاعدة المستمرة؟ تحريم أكل الميتة، فإذا أبيح له أكلها بشرطه حينئذٍ نقول: هذا على خلاف الأصل، يعني: على خلاف القاعدة المستمرة، {أَيْ عَلَى خِلاَفِ الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ} .
والإطلاق الرابع قال: (وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ) وهذا يقابل ماذا؟ يقابل الفرع في القياس، وهذا سيأتي بحثه في موضعه، وحينئذٍ يسمى أصلًا وهو ما يقاس عليه.
(الْمَقِيسِ عَلَيْهِ) {وَهُوَ مَا يُقَابِلُ الْفَرْعَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ} كالخمر بالنسبة للنبيذ، فالنبيذ فرع وهو مجهول الحكم، يعني: من باب التنزيل كمثال فقط، وإلا معلوم الحكم.
فالنبيذ فرع قيس على الخمر، والخمر أصل والنبيذ فرع. إذًا: المقيس عليه هو الأصل، يسمى أصلًا، هذه المعاني الأربعة المنقول إليها الأصل في العرف هي المعتمدة عند الأصوليين، وكلها تناسب المعنى اللغوي للأصل، كل هذه المعاني الأربعة .. الاصطلاحات الأربعة: الدليل والرجحان والقاعدة المستمرة والمقيس عليه؛ كلها فيها مناسبة للمعنى الأصلي للأصل، يعني المعنى اللغوي وهو ما يبنى عليه غيره، فالدليل يبنى عليه الحكم، الحكم فرع، والدليل أصل، فالدليل يبنى عليه الحكم، والقاعدة يبنى عليها الفروع الجزئية، إذًا فيه معنى البناء، والرجحان كالحقيقة مثلًا يبنى عليها المرجوح وهو المجاز، لا يمكن أن تتصور المجاز إلا إذا تصورت الحقيقة.