قال: (ثُمَّ لِتَشْرِيكٍ) يعني: {ثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ تَكُونُ للِتَّشْرِيك} يعني: تفيد في تشريك ما بعدها لما قبلها، {فِي الأَصَحِّ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ} وهذا واضح؛ لأنها عاطفة، وهذا شأن العاطفة.
(وَلِتَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ) يعني: تفيد ماذا؟ تفيد الترتيب، إفادة هذا.
(وَلِتَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ) يعني: تفيد الترتيب كشأن الفاء، لكن (بِمُهْلَةٍ) يعني: بينهما تراخٍ.
أَيْ: بِتَرَاخٍ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ مَعْنَوِيٌّ وَفِي الْجُمَلِ ذِكْرِيٌّ، نَحْوُ قول الشَّاعر:
إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
فَهُوَ تَرْتِيبٌ فِي الإِخْبَارِ لا فِي الْمَوْجُودِ
ثم السيادة ليست متتالية، إذا كان المراد بالسيادة الملك هنا، ليس في وقت واحد، وإنما يتوالون وبينهما تراخ، وقيل: كالواو، وقيل: كالفاء.
(حَتَّى الْعَاطِفَةُ لِلْغَايَةِ) العاطفة كما هو الشأن في الحروف السابقة، و (لِلْغَايَةِ) المراد بالغاية: آخر الشيء، ويزيد بعضهم كابن هشام وغيره: للغاية والتدريج، أي: أن ما قبلها ينقضي شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ إلى الغاية وهو الاسم المعطوف، ولذلك يقال: مات الناس حتى الأنبياءُ، ويقال: قدم الحجاج حتى المشاةُ، يعني: شيئًا فشيئًا.
{نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) )، فَلا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا إلاَّ غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ نَحْوُ: مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ} هذا في النقص، {مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ} يعني: حتى الخُلَّص ماتوا، وحينئذٍ نقول: هذا نقص.
{وَقَدِمَ الْحُجَّاجُ حَتَّى الْمُشَاةُ} هذا الزيادة. وهل تفيد الترتيب أم لا؟ هذا فيه خلاف بين النحاة.
قال هنا: (وَلاَ تَرْتِيبَ فِيهَا) يعني: لا تدل على الترتيب.
قال: {فَهِيَ كَالْوَاوِ} هذا يصحح الكلام السابق، لأن ظاهر الكلام السابق للمصنف رحمه الله تعالى: أن الواو قد تدل على الترتيب، وليس هذا المراد، وإنما القدر المشترك الذي قد يُفهم منه الترتيب، وهنا قال: {هِيَ كَالْوَاوِ} ونص على أن حتى لا تفيد ترتيبًا، دل على أن الواو لا تفيد ترتيبًا، وهو ما وافق فيه جماهير النحاة، وحكي إجماعًا.
(وَلا تَرْتِيبَ فِيهَا) يعني: حتى لا تدل على الترتيب، {فَهِيَ كَالْوَاوِ فَإِنَّك تَقُولُ: حَفِظْت الْقُرْآنَ حَتَّى سُورَةَ الْبَقَرَةِ} ويحتمل أن سورة البقرة هي المبتدأ بها.
{وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا حَفِظْت أَوْ مُتَوَسِّطًا} .
قال رحمه الله تعالى: (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ) لأنها للتدريج، هو لم ينص على أنها للتدريج، لكن هذا الذي ذكروه؛ أنها للغاية والتدريج، ويشترط فيها كون معطوفها -يعني ما بعدها- (جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ) يعني: من سابقه، نحو ماذا؟ {قَدِمَ الْحُجَّاجُ حَتَّى الْمُشَاةُ} ولا شك أن المشاة من الحجاج، والمثال المشهور: أكلتُ السمكة حتى رأسَها -بالفتح-، يجوز: حتى رأسُها مأكول، حتى رأسِها، وهنا: حتى رأسَها، حينئذٍ تكون عاطفة.