(أَوْ كَجُزْئِهِ) يعني: ليس جزءًا حسيًا، وإنما هو كجزئه، يعني: مُنَّزلٌ مُنزَّلة الجزءِ، {نَحْوَ: أَعْجَبَتْنِي الْجَارِيَةُ حَتَّى حَدِيثُهَا} حَدِيثُهَا، هي مشتملة على حديثها، هو ليس جزءًا بارزًا حسيًا، وإنما هو كالجزء، فَإِنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ بَعْضًا مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ كَالْبَعْضِ، لأَنَّهُ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهَا.
وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِحَتَّى مُبَايِنًا لِمَتْبُوعِهِ فِي الْجِنْسِ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتُقَدَّرُ بَعْضِيَّتُهُ هو كسابقه .. لا فرق بينهما.
كقول الشاعر:
{أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا}
الشاهد في قوله: {حَتَّى نَعْلَهُ} فعطف النعل على الزاد وليس بعضًا لما قبله، وهذا صراحة، لكنه بالتأويل؛ {لأَنَّ الْمَعْنَى: أَلْقَى مَا يَثْقُلُهُ حَتَّى نَعْلَهُ} هذا المراد، {كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ وَالزَّادَ} يعني: ألقى الزاد، وليس المراد عين الزاد، المراد: ألقى ما يثقله، حتى النعل، يعني: بلغ ما ألقاه أن النعل صار ثقيلًا فألحقه بالزاد، هذا المراد.
(وَتَأْتِي لِتَعْلِيلٍ) يعني:"حتى"تأتي للتعليل، {كَقَوْلِهِ: كَلَّمْته حَتَّى يَأْمُرَ لِي بِشَيْءٍ} يعني: كي.
{وَعَلامَتُهَا: أَنْ يَصْلُحَ مَوْضِعَهَا كَيْ، وَمِنْهُ: أَسْلِمْ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ} يعني: كي تدخل الجنة، فحتى هنا بمعنى التعليل، والأصل في التعليل أن يكون باللام، هذا الأصل فيه، وحينئذٍ حتى للتعليل على مذهب الكوفيين: أنها أُقيمت مقام اللام، وعلى مذهب البصريين: لا، حتى في معناها الأصلي، ولكن ضُمِّن الفعل معنى ما يتعدى باللام.
(وَقَلَّ لِاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ) ، (وَقَلَّ لاِسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ) وقلَّ أن تأتيَ"حتى" (لاِسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ) . ما المراد بالاستثناء المنقطع؟ ألا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، جاء القوم إلا حمارًا، نقول: هذا الحمار ليس من جنس القوم، وحينئذٍ يكون استثناءً منقطعًا، هل تأتي حتى للاستثناء المنقطع؟ قال: نعم، لكنه قليل، يعني: يجوز أن تستعمل حتى للاستثناء المنقطع لكنه على قلة، (وَقَلَّ لِاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ) قلَّ أن تأتي حتى لإفادة الاستثناء المنقطع، وهو مراد من أطلق الاستثناء، لأن بعضهم قال: تأتي للاستثناء وسكت، وحينئذٍ"تأتي للاستثناء"معناه ماذا؟ تأتي للاستثناء بنوعيه، وليس الأمر كذلك، وإنما هو للمنقطع دون المتصل.
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ الْفُضُولِ سَمَاحَةً حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي: حَتَّى تَأْتِي لأَحَدِ ثَلاثَةِ مَعَانٍ: انْتِهَاءُ الْغَايَةِ، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَالتَّعْلِيلُ، وَبِمَعْنَى إلاَّ فِي الاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ أَقَلُّهَا ولذلك هو الذي أطلقه. ويُقيَّد قول ابن هشام هنا: {وَبِمَعْنَى إلاَّ فِي الاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ أَقَلُّهَا} يعني: الاستثناء المنقطع، ليس كلامه على إطلاقه.
وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ بِمَنْزِلة"إِلَى"فِي الْمَعْنَى وَالْعَمَلِ.