وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَتِلْمِيذُهُ الْجُرْجَانِيُّ -مَعَ ذَلِكَ- أَنْ تَكُونَ نَاقِلَةً لِلْحُكْمِ الأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا، كَمَا فِي الإِثْبَاتِ وَمَا فِي حُكْمِهِ، فَيُحْتَمَلُ عِنْدَهُمْ فِي نَحْوِ مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو، أن يكون المراد: بل ما قام عمرو، يعني: نفس الحكم السابق تعطيه لما بعده، لكن الجمهور على خلاف ذلك.
(وَقَبْلَ جُمْلَةٍ) يعني: ولا تكون"بل عاطفة"إن وقعت قبل جملة (لِابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ لِإِبْطَالِ) يعني: لا تكون عاطفة كما هو الشأن في المفردات، وَإِنَّمَا تَكُونُ لابتِدَاءٍ يعني: ابتداءية مثل حتى، حتى تكون عاطفة وتكون ابتدائية، عاطفة تكون في المفردات، وابتدائية تكون في الجُمَل، يعني: لا تشرِّك ما بعدها فيما قبلها في الحكم؛ لأن التشريك إنما يكون في المفردات لا في الجُمَل، هذا هو الأصل فيه.
و"بل"كذلك، ولذلك قيد فيما سبق قال: في مفرد، وحينئذٍ إذا قيل: في مفرد معناه: أن حكم ما بعد بل في الإعراب هو حكم ما قبلها، وأما في الجُمَل فلا، وحينئذٍ تكون ابتدائية.
قال: (وَقَبْلَ جُمْلَةٍ) وَلا تَكُونُ بَلْ عَاطِفَةً إنْ وَقَعَتْ قَبْلَ جُمْلَةٍ نحو ماذا؟ ما قام زيدٌ بل عمرو قائم، ليس عندنا عطف هنا مفرد على مفرد، وإنما عطفت جملة على جملة، فلا تكون عاطفة عند الجمهور، وَإِنَّمَا تَكُونُ (لِابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ) وكأن عبارة المصنف ليست واضحة في المراد.
(لِابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ لِإِبْطَالِ) يعني: حرف ابتداء يفيد الإضراب.
(وَقَبْلَ جُمْلَةٍ لِابْتِدَاءٍ) يعني: وتكون"بل"قبل جملة لإفادة الابتداء، فهي ابتدائية، ثم الابتداء نوعان.
(وَإِضْرَابٍ لِإِبْطَالِ) أي: حرف ابتداء يفيد الإضراب وهو ضربان.
(لِابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ) يعني: تفيد الإبطال.
ثم الإضراب نوعان: ضرب لإبطال وضرب لانتقال.
وَهُوَ ضَرْبَانِ:
ضَرْبٌ لإِبْطَالِ"الْحُكْمِ السَّابِقِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ ) )، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) )فهو إبطال لما سبق."
{وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ} (أَوْ انْتِقَالٍ) {أَيْ: إضْرَابٌ لانْتِقَالٍ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ مِنْ غَيْرِ إبْطَالِ الأَوَّلِ} فيكون كالمسكوت عنه، نحو ماذا؟ {نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ ) )} يعني: ما قبله ثابت كما هو في هذا النص، و (( بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ ) )هذا زيادة حكم آخر.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: (( بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) ).
فَفِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ لَمْ تُبْطِلْ شَيْئًا مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا فِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ خَبَرٍ عَنْهُمْ إلَى خَبَرٍ آخَرَ.