فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 1890

قال: {وَرُدَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ عَلَّمَهُ بَعْضَهَا, أَوْ اصْطِلاَحًا سَابِقًا} فإذا رد التفصيل فمن قال بأنها اصطلاح كلها من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا قال بأن بعضها توقيف رُد قوله؛ لأنه معارض للنص، فكيف بمن قال: كلها اصطلاح؟ من باب أولى وأحرى.

أَوْ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وَصِفَتَهُ بِأَنَّ الأَصْلَ اتِّحَادُ الْعِلْمِ وَعَدَمُ اصْطِلاَحٍ سَابِقٍ. وَأَنَّهُ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ, وَقَدْ أَكَّدَهُ بِكُلِّهَا.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وهذا نص في موضع يضم للآية السابقة {فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ"وَعَلَّمَك أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ"} هذا تنصيص على أن المراد بالأسماء هنا الأسماء التي تعم الفعل والحرف، ثم المراد بها العموم، يعني: لم يخرج لفظ واحد من لسان العرب إلا والله تعالى واضعه؛ لما ذكرنا.

قال: {"وَعَلَّمَك أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ"وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ: (( بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ ) )فَالتَّعْلِيمُ لِلأَسْمَاءِ. وَضَمِيرُ عَرْضِهِمْ لِلْمُسَمَّيَاتِ, وَلِظَاهِرِ قَوْلِهِ: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) )، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ) )، وقوله تعالى (( وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ ) )وَحَمْلُهُ عَلَى اللُّغَةِ أَبْلَغُ مِنْ الْجَارِحَةِ وَحَمْلُهُ عَلَى اخْتِلاَفِ اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الإِقْدَارِ عَلَيْهَا لِعِلَّةِ الإِضْمَارِ} .

إذًا: المذهب الأول: أن اللغات كلها إنما هي توقيف من الباري جل وعلا للنصوص السابقة، ومن علم مواضع اللغة من حيث الإحكام والإتقان أكَّد هذا القول.

المذهب الثاني وهو مذهب المعتزلة وعليه أكثر المعتزلة: {أَنَّ اللُّغَةَ اصْطِلاَحِيَّةٌ وَضَعَهَا وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ} يعني: من البشر {وَعَرَفَ الْبَاقُونَ بِإِشَارَةٍ وَتَكْرَارٍ} يعني: بالتعلم والتعليم.

قالوا: كالطفل، كما أن الطفل لا يكون متكلمًا، ثم بعد ذلك يبدأ نطقهم وتمييزهم بالإشارة أولًا، ثم بالتكرار ثم بعد ذلك يتعلمون اللغة.

واستدل المعتزلة بآية وهي قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) ) [إبراهيم:4] يعني: بلغته، فهي سابقة على البعثة.

نحن نقول: توقيف ووحي، يعني أوحاها إلى نبي من أنبيائه، هنا الآية تدل على ماذا؟ على أن اللغة سابقة على البعثة، فكل نبي بُعث إلى قومه حينئذٍ اللغة سابقة؛ لأنه قال: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) ) [إبراهيم:4] فقومه سابقون واللسان سابق، ثم جاء النبي، فهي سابقة على البعثة، ولو كانت توقيفية والتعليم بالوحي لتأخرت عنه، جوابه: التعليم بالوحي إلى آدم للنص (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ ) )وليس لغيره، إذا قيل: وحي ليس المراد كل نبي يوحى إليه معنى اللغة لا، وإنما المراد آدم؛ لأنه قال: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ ) )، فجواب التعليم بالوحي إلى آدم وذلك سابق على كل بعثة.

إذًا: المذهب الثاني: أنها اصطلاحية دون تفصيل وهو مذهب المعتزلة، والصواب أنه مردود بما ذكرنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت