المذهب الثاني: أنها كما قال: {مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ تَوْقِيفٌ, وَغَيْرُهُ مُحْتَمَلٌ أَوْ اصْطِلاَحٌ} .
وهذا مذهب إسحاق الإسفراييني، يعني: التبعيض .. على ما مر: أن بعضها توقيف وبعضها اصطلاح، هذا أشهر المذاهب.
توقيف كلها، اصطلاحية كلها، بعضها توقيف وبعضها اصطلاحي.
والصحيح هو الأول، وبعضهم توقف في المسألة؛ لأنها محتملة، ثم من تَعرض لهذه المسألة اختلفوا فيما بينهم، هل لها فائدة أم لا؟
بعضهم يرى أنها ليس لها فائدة، نحن نقول: كيف ليس لها فائدة وهي مدلول قوله تعالى: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) )؟.
إذًا كان مدلول الآية يدل على أن اللغات توقيفية، كيف يقول: لا فائدة فيها؟
إذا كانت هي مدلول آية، حينئذٍ يكفي أننا نعرف المراد بهذه الآية .. ما المراد بها (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) )؟ يعني: أن الله تعالى وضع اللغة كلها بجميع ألسنة الناس.
قال: {فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَائِدَةَ لَهُ} كالأبياري، وقال: ذكرها في الأصول فضول، نعم قد يقال بأن إدخالها في علم الأصول فضول، لكن في نفسها قد يكون لها فائدة.
{وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِتَكْمِيلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ, أَوْ جَوَازِ قَلْبِ مَا لاَ يُطْلَقُ لَهُ بِالشَّرْعِ, كَتَسْمِيَةِ الْفَرَسِ ثَوْرًا وَعَكْسِهِ} .
يعني: قلب اللغة، هل يجوز أو لا يجوز؟ هل يصح أن يسمى الثور فرسًا والفرس ثورًا أو لا؟ إذا كان توقيف، حينئذٍ ننظر إلى الشرع: هل جاء الشرع بأنه يحرُم استعمال اللفظ في غير ما وضع له أم لا؟ إن لم يرد حينئذٍ الأصل في قلب اللغة هو الجواز، إلا إذا أدى إلى اختلاط الشرائع فيمنع، يعني: لا يعبّر عن النكاح بالطلاق، ولا عن الطلاق بالنكاح، ولا عن البيع بالشراء ولا العكس، وإنما إذا كان ينبني عليه خلط الشرائع والأحكام الشرعية فحينئذٍ يجب إطلاق ما أطلقه الباري جل وعلا في موضعه.
{وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا جَرَتْ فِي الأُصُولِ مَجْرَى الرِّيَاضِيَّاتِ, كَمَسَائِلِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ} يعني: تحريك الذهن، ولا إشكال فيه.
{وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَائِدَةُ الْخِلاَفِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيفِ جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَمَنْ جَعَلَهُ اصْطِلاَحًا جَعَلَهُ مُتَأَخِّرًا مُدَّةَ الاِصْطِلاَحِ} .
وهذا فيه شيء من النظر.
قال السيوطي: والحق أن الخلاف في اللغات الموجودة هل هي توقيفية أو اصطلاحية؟ يعني: في اللغات الموجودة ثم خلاف، أما اصطلاح اثنين على تسمية الألْفِ ألْفين أو الثور فرسًا فلا يجوز قطعًا، يعني بنى عليه فائدة، وهي: ما دام أن الأصل في اللغات أنها توقيفية من جهة الباري جل وعلا، وضع هذا اللفظ لهذا المدلول، فتغييره يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن قوله: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ) [البقرة:31] دل على أن الألفاظ موضوعة بإزاء معاني معينة، والذي خص هذا اللفظ بهذا المدلول هو الباري جل وعلا، فتغييره حينئذٍ يحتاج إلى نص ولا نص.