ثَمَّ خلاف يذكر في كتب الأصول، فهذا الخلاف حاد، يعني: لا عبرة به ولا يلتفت إليه البتة، لماذا؟ لأن إجماع الصحابة على أن مدلول"افعل"هو الوجوب، وقد حكى كذلك المصنف هنا في هذا الموضع والأصل .. التحبير شارح التحرير: أن الخلاف حادث ولم يكن معروفًا في زمن الصحابة، فما كانوا يحملون صيغة افعل إلا على الوجوب فحسب.
ولذلك حكى ابن قدامة كذلك في الروضة الإجماع على أن افعل محمولة على الوجوب، ثَم مسائل عديدة مثلها تارك الصلاة يكفر أو لا يكفر؟ الصحابة إجماع، وما بعده يعتبر خلافًا حادثًا فلا يلتفت إليه.
انتبهوا لهذه المسألة؛ لأن الأصل في البحث لا يكون من زمنك أنت إلى الصحابة، اعكس المسألة، يعني من نظر إلى المسائل الفقهية، ينظر إلى المتأخرين ثم المذاهب الأربعة، ثم سيفهم أقوال الصحابة بماذا؟ بفهوم المتأخرين، هذا غلط .. هذا انتكاسة في المفاهيم، وإنما يكون العكس: كتاب وسنة .. فهم الصحابة، ثم بعد ذلك تنزل، وليس العكس.
إذا جئت إلى المسألة من المتأخرين إلى السلف، فحينئذٍ وقعت في وهم، وقعت في خلط كبير.
قال هنا: (وَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لاَ تَثْبُتُ بِقِيَاسٍ) تقول إجماعًا، ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: {لاَ يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ سَمَّاهُ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم} وهذا محل وفاق بين الصحابة، ويحرم تسمية الباري جل وعلا باسم لم يسم به نفسه أو يسمه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
{وَعَنْهُ وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ، بَلْى وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ فِي الصِّفَاتِ لاَ الأَسْمَاءِ} .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري الجزء الحادي عشر: {اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الأَسْمَاءِ الْحُسْنَى: هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ؟} اختلف الناس يعني: المتأخرون ولا يعني به الصحابة.
فِي الأَسْمَاءِ الْحُسْنَى: هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ الأَفْعَالِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا إلاَّ إذا وَرَدَ نَصٌّ"فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"؟
فَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ.
أصحابهم من؟ الأشاعرة.
{وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: إذا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ إطْلاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى} عقولكم متهمة عندنا .. نرجع إلى الأصل.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ: الأَسْمَاءُ تَوْقِيفِيَّةٌ دُونَ الصِّفَاتِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَاحْتَجَّ الْغَزَالِيُّ بِالاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّهِ بِهِ أَبُوهُ، وَلاَ سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ، وَكَذَا كُلُّ كَبِيرٍ مِنْ الْخَلْقِ، قَالَ: فَإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ فَامْتِنَاعُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى.