وإجماع الصحابة أولى بالاحتجاج به في هذا المقام.
قال: {وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ تَعَالَى اسْمٌ وَلاَ صِفَةٌ تُوهِمُ نَقْصًا. وَلَوْ وَرَدَ ذَلِكَ نَصًّا، فَلاَ يُقَالُ} يعني: أصل النص .. ليس المراد اللفظ من حيث المعنى .. لفظًا ومعنى"مَاهِدٌ"وَلا"زَارِعٌ"وَلا"فَالِقٌ"، وَلاَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَإِنْ ثَبَتَ فِي قَوْله تَعَالَى: (( فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) )، (( أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) )، (( فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ) )على القاعدة المعلومة عند أئمة السنة في ذلك، ومحل البحث إنما يكون في باب العقائد، لكن لما ذكر هنا أن مبدأ الأسماء .. مبدأ اللغات توقيفية وقع نزاع في أسماء الله تعالى: هل هي توقيفية أم لا؟ والحق أنها توقيفية وهو محل إجماع، وهو من قواعد الأسماء والصفات في هذا المقام، فلا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الشأن في الأسماء.
إذا عرفنا أن مبدأ اللغات توقيف، فحينئذٍ نحتاج إلى طريق في النقل حتى تصل إلينا.
قال: (وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ) يعني: يعرف وضع اللفظ للمعنى بطريق الحصر، إما النقل الصِّرف الخالص، أو العقل الصِّرف الخالص، أو المركب منهما.
إما هذا أو ذاك، إما نقل صرف خالص، وإما عقل صرف خالص، أو مركب من النقل والعقل.
الأول والثالث موجودان، وأما الثاني الذي هو العقل الصرف فلا مدخل له في اللغة البتة؛ فإنه لا يستقل بالأمور الوضعية، ولذلك قلنا: هي توقيفية.
إذًا: وحيٌ. نحتاج إلى نقل، والوحي إنما يدل على إثبات الشيء للشيء ولا يُعرف إلا بنقل.
وأما النقل الصرف، فهو إما متواتر وإما آحاد، يعني: طريق النقل إلينا إما بالتواتر كأرض وسماء ونحوها مما لا يقبل التشكيك فيه، وإما آحاد.
وهذا التقسيم وهو الذي ذكره المصنف هنا تقسيم لا ينبني عليه شيء البتة، وإنما هو مجرد اصطلاح.
وقيل في الآحاد: إنه حجة في باب العمليات والأحكام، انظر خلط هنا!. يعني نظروا في مسألة إثبات اللغة: طريق الآحاد ومتواتر، ما ينبني على قبول حديث الآحاد، فقالوا: الآحاد يعني: الألفاظ التي تُفهم معانيها، وثبتت بطريق الآحاد نحتج بها في باب العمليات والأحكام، أما ما يتعلق بالعقائد فلا؛ لأنها لا تفيد القطع، وهذا باطل مردود؛ لأن التقسيم لا شك أنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ولا إشكال فيه، أن ما نقل نقلًا متكاثرًا يسمى متواترًا، وما نقل نقلًا أقل من ذلك يسمى آحادًا، لكن هل ينبني عليه حكم شرعي؟ الجواب: لا.
وهذا الشأن في السنة النبوية كذلك، لا شك في وجود المتواتر والآحاد، التقسيم هذا ثابت ولا إشكال فيه، لكن ما ينبني عليه من كون المتواتر هو الذي يُقبل في باب العقائد، والآحاد لا يُقبل في باب العقائد هذا من البدع المحدثة، وأما التقسيم فلا إشكال فيه.