قوله: (الْأَحْكَامِ) "أل"هذه للاستغراق، يعني: تفيد عموم الأحكام، لكن يرد إشكال وهو .. وهذا الصحيح، ثَمَّ خلاف بين الأصوليين في معنى (أل) هنا، والصواب أنها للاستغراق، يعني: معرفة كل حكم شرعي، هذا المراد، وحينئذٍ يرد الإشكال، هل المراد بالفقه هنا كل الأحكام أم بعضها؟ معرفة جميع الأحكام متعذِّر .. محال هذا، حينئذٍ لا يوجد فقيه، ولذلك أُثر عن الإمام أحمد: لا أدري .. لا أعلم، عن أبي حنيفة .. مالك .. إلى آخره، بل عن الصحابة أنه قال: لا أدري، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: للاستغراق، نقول: نعم هي للاستغراق، لكن المعرفة قد تكون معرفة بالفعل .. بالإيجاد، وقد تكون معرفة بالقوة، بمعنى: أنه لو أراد أن يبحث لوصل إلى الحكم الشرعي:
.... وَالعِلمُ بِالصَّلاَحِ فِيمَا قَدْ ذَهَبْ
يَقُولُ لاَ أَدْرِي فَكُنْ مُتَّبِعَهْ
فَالْكُلُّ مِنْ أَهْلِ المَنَاحِي الأَرْبَعَهْ
(فَالْكُلُّ مِنْ أَهْلِ المَنَاحِي الأَرْبَعَهْ) يعني: المذاهب الأربعة يقول لا أدري ثبت عنهم ذلك، فكن مُتَّبِعَهْ يعني: قُل مثلهم لا أدري فيما لا تدري.
إذًا: (أل) هنا في (الْأَحْكَامِ) تفيد الاستغراق، يعني تعُم جميع الأحكام، وحينئذٍ نفسر هنا العلم أو المعرفة بالأحكام ليس المراد به جميع الأحكام أن تكون مستحضرة عند أهل العلم، وجرى العرف بهذا أن يكون نحويًا ويستحضر بعض المسائل وقد لا يستحضر بعض المسائل، فقد يجهل بعض المسائل فيبحثها، تكون عنده أهلية وملكة، ويكون متهيئًا للبحث والنظر.
قال: (مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) قلنا: دون العقلية والوضعية واللغوية والحسية والتجريبية، هذه لا تسمى حكمًا شرعيًا، ولا يتعلق بها الفقه.
قال: (الْفَرْعِيَّةِ) لأن الحكم الشرعي على نوعين: حكم شرعي اعتقادي، يعني يتعلق بالعلم .. يتعلقه العلم. وحكم شرعي فرعي، أو عملي كما جرى عليه الأكثر، وهذا المراد به: ما يتعلق بكيفية عمل قلبيٍّ كان أو لا، كقولهم مثلًا: كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، النية واجبة، العلم بهذا الحكم الشرعي يتعلق بماذا؟ بالقلب. الوتر مندوب، هذا العلم يتعلق بماذا؟ بالجوارح؛ لأن محل الوتر في الجملة هو الجوارح، ومحل النية القلب، وحينئذٍ تعلَّق الحكم الشرعي بالنوعين، فعبر هنا بالفرعية ليشمل النوعين، خرج به الأصولية كما قال، والمراد بالأصولية يعني: أصول الدين، فليست العقيدة داخلة في مسمى الفقه في الاصطلاح، وأما في الفقه الشرعي العام فهو داخل فيه ولا شك.