وعبر المصنف هنا بالفرعية دون العملية، وإن كان الشائع عند كثير من الأصوليين هو التعبير بالعملية؛ لأن بعض الأصوليين فسر العملية بما يتعلق بالجوارح فحسب، وحينئذٍ يرد السؤال: هل العملية متعلقة بالجوارح فقط أم أنها تعم ما يتعلق بالقلب؟ فإن قيل الأول؛ حينئذٍ لا يصلح أن نتخذ أو نأخذ العملية قيدًا في حد الفقه، لأنه خرج كثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بالقلب، فالرياء الأصل متعلق بماذا؟ بالقلب، فحكمه من حيث التحريم هذا لا يسمى فقهًا، إذا أخذنا العملية قيدًا في الحد، كذلك الحسد والكبر و .. إلى آخره نقول: هذا كله عمل قلبي وتعلق به أحكام شرعية، فإذا أخذنا العملية قيدًا في حد الفقه خرج كثير من الفقه، ولذلك عدَل بعضهم -والمصنف من هذا النوع- عدلوا عن العملية إلى الفرعية، قالوا: لأن الفرعية تشمل النوعين، ما كان متعلقه الجوارح وما كان متعلقه القلب، والصحيح أن العملية تشمل النوعين، ولا فرق بين الفرعية والعملية.
ونقول هنا: عبر بالفرعية دون العملية لعدم شمول العملية للأحكام الشرعية العملية الكائنة في القلب دون الجوارح، وعليه يخرج بعض الفقه من الحد، فالفقه يتعلق بعمل الجوارح والقلب أيضًا، والعملية يختص بالأول، بخلاف الفرعية؛ فيشمل النوعين. هكذا فسره القرافي في النفائس، والصحيح: أن العملية يشمل النوعين، وحينئذٍ من فسر أو قيد الأحكام الشرعية بالعملية وهو أولى، وهذا صحيح، وكذلك من قال الفرعية وهو صحيح، والمراد بالعمل هنا: كيفية العمل، وهي أحكامها من الوجوب وأخواتها.
{خَرَجَ بِقَيْدِ"الْفَرْعِيَّةِ"الأَدِلَّةُ الأُصُولِيَّةُ الإِجْمَالِيَّةُ, الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي فَنِّ الْخِلاَفِ, نحو ماذا؟ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالْمُقْتَضَى, وَانْتَفَى بِوُجُودِ النَّافِي} هذه قواعد كلية إجمالية تستعمل في علم الخلاف، يعني علم الخلاف علم مكتسب بأحكام شرعية عملية لكنها إجمالية، لأن الجدلي لا يقصد صورة بعينها، وإنما يضرب الصورة مثالًا لقاعدة كلية فيقع العلم مستفادًا من الدليل الإجمالي لا من التفصيلي، كقوله مثلًا: {وُجُوبُ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضِي, وَهُوَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ} يعني شيء عام ثَبَتَ بِالْمُقْتَضِي {يَقُولُ الْحَنَفِيُّ: عَدَمُ وُجُوبِهَا, وَالاِقْتِصَارُ عَلَى مَسْنُونِيَّتِهَا: حُكْمٌ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضِي} يعني: لا يأتي بالدليل التفصيلي المثبِت للحكم الشرعي، أو المنفي للحكم الشرعي، وإنما يأتي بقاعدة عامة لإثبات مذهبه ولرد ودفع المذهب المخالف، يعني أمر لتأصيل التعصب للمذاهب وليس له شأن فيما يتعلق بالتمسك بالدليل ونحوه، فالمراد بالجدل هنا: إثبات الأدلة لكن على جهة الإجمال للمذهب، ونفي ودفع ما يرد على المذهب من خلاف، نقول: هذا ليس فيه علم أصلًا ولا يخرج بقيد الفرعية لأنه لم يدخل أصلًا، فقوله: (مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) أخرج المقلِّد، وأخرج ما كان في حكمه وهو الجدلي؛ لأنه لا يتعلق به علم أصلًا.