إن كان ثم شك في الإجماع، فإطلاق المصنف القولين لا إشكال فيه .. له متكأ، وأما إذا كان الإجماع هنا عن يقين، وثم ثقة فيما نقله ابن تيمية رحمه الله تعالى فلم يُذكر في المسألة قولان؟ هذا يحتاج إلى تحرير.
{احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ} -وهو الحق كما ذكرنا- بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ) [المائدة:32] } (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ) )أفادت ماذا؟
أفادت أن الكتاب معللًا (( كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ) [المائدة:32] الآية .. أنها معللة، يعني: ثابتة لحكمة، ولغاية محمودة، وقولِه تعالى: (( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) ) [الحشر:7] } كي: هذه للتعليل.
{وقوله تعالى: (( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ ) )} [البقرة:143] أي: إلا لأجل أن نعلم، فاللام هنا للتعليل.
فكل نص في القرآن أو في السنة فيه لام التعليل ففيه إثبات الحكمة، كما مر معنا.
والأشاعرة ليس عندهم في القرآن لام تعليل وإنما هي لام الصيرورة؛ لأنهم يبنون على هذا القول.
إذًا: كل نص في القرآن والسنة فيه لام التعليل فهو دليل على إثبات الحكمة في أفعاله وشرعه.
وكل نص فيه باء السببية، وباء العلة التي مرت معنا. فحينئذٍ فيه إثبات للحكمة والعلة، وكل نص فيه"إنَّ"أو"أنَّ"أو"من أجل"نقول: هذا فيه إثبات للحكمة والعلة.
{وَلأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَكِيمٌ} -ولا شك- {شَرَعَ الأَحْكَامَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ لقولِه تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاك إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) )وَالإِجْمَاعُ وَاقِعٌ عَلَى اشْتِمَالِ الأَفْعَالِ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ إمَّا وُجُوبًا، وَإِمَّا جَوَازًا} والثاني قول أهل السنة، فيفعل ما يفعله لحكمة ويخلق ما يخلقه لحكمة.
واحتج النافون بوجوه مذكورة في المطولات.
إذًا: الحق، وهو محل إجماع بين السلف الصالح: أن أفعال الله عز وجل وأوامره هذه معللة ولها حِكم وغايات، أما ما ذكره المصنف هذا لا ينسب إلى السلف، وإن كان ابن تيمية رحمه الله تعالى يحكي خلافًا لأهل السنة، لكن أكثر أهل السنة على إثبات التعليل.
قال: (وَعَلَيْهِ) ، يعني: على القول الثاني هذا المذكور بنفي العلة والحكمة في أفعاله وأمره وشرعه (مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ مُرَجِّحٌ) ، يعني: بدون حكمة.
لماذا أمر بالصلاة؟ لا لحكمة، لماذا أمر بالزكاة؟ لا لحكمة.
طيب. لماذا تَرَجح؟
قال: للإرادة. لكونه أراد هذا الفعل فالإرادة مرجحة لفعل الصلاة على عدمها، والإرادة مرجحة لتحريم الربا على عدمه، وليس ثم إلا الإرادة .. كونه جل وعلا أراد هذا الفعل من العباد فهو المرجِّح.
وأما كون الفعل مشتمل على مصالح يترتب عليها وغايات محمودة فليس الأمر كذلك، وهذا فاسد.
(وَعَلَيْهِ مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ مُرَجِّحٌ) أي: بدون حكمة لإِيجَادِ فِعْلِ مَا شَاءَهُ.
فَإِذَا شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْئًا مِنْ الأَشْيَاءِ تَرَجَّحَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الإشَاءَةِ.