وَيَقُولُونَ: عِلَلُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ مَحْضَةٌ, وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْمُنَاسَبَةِ, ثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَهَا لاَ بِهَا وهذا قول الأشاعرة.
{وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْغَزَالِيُّ, بِقَوْلِ الشَّارِعِ: جُعِلَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مُوجِبًا لِحُسْنِ الْفِعْلِ وَقُبْحِهِ, لاَ أَنَّهُ كَانَ حَسَنًا وَقَبِيحًا قَبْلَهُ, كَمَا يَقُولُ الْمُثْبِتُونَ} .
إذًا: هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة، وهي: نفي العلة والحكمة في أفعاله جل وعلا، والصواب والحق -وهو محل إجماع السلف-: أنها ثابتة.
وعليه لا ترد هذه المسألة، فما أراده الله عز وجل إنما أراده لحكمة وهما مقترنان.
(وَهِيَ وَإِرَادَتُهُ لَيْسَتَا بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ، وَرِضَاهُ وَسَخَطِهِ وَبُغْضِهِ فَيُحِبُّ وَيَرْضَى مَا أَمَرَ بِهِ فَقَطْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى)
{وَهِيَ أَيْ مَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى} . لما قال: (وَعَلَيْهِ مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ مُرَجِّحٌ) أراد أن يبين الفرق بين المشيئة والإرادة؛ إذ ثم فرق بين النوعين، وباستقراء النصوص، إرادة الله تعالى نوعان عند أهل السنة والجماعة:
النوع الأول: إرادة دينية شرعية، يعني: نسبة إلى الشرع.
النوع الثاني: الإرادة الكونية القدرية، فبها يكون الخلق.
أما الإرادة الكونية، فهي بمعنى المشيئة. فالمشيئة شيء واحد، لا تتعدد، وتفسر بالإرادة الكونية، والانقسام إنما هو للإرادة لا للمشيئة.
هنا يختلط عند بعض طلاب العلم يظن أن المشيئة نوعان: مشيئة دينية، ومشيئة قدرية لا، وإنما المشيئة هي نوع واحد، وأما الإرادة فهي التي تنقسم إلى نوعين.
أما الإرادة الكونية: فهي بمعنى المشيئة التي تستلزم وقوع المراد.
فهي إرادة الخلق، أي: أن يريد ما يفعله هو سبحانه، الإرادة الكونية: إرادة أن يفعل الباري جل وعلا الخلق، ولذلك كان المراد متحتمَ الوقوع كما قال تعالى: (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ) [يس:82] فهي متضمنة لما وقع دون ما لم يقع، وهو المراد بقول أهل السنة والجماعة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
ما شاء الله كان، يعني: وقع وحصل وخلقَه جل وعلا، وما لم يشأ لم يكن، يعني: لا يقع البتة، وهو محال.
ولما كان المراد متحقق الوقوع لزم القول بأنها لا تستلزم محبة كل شيء، يعني: هذه الإرادة القدرية قلنا المراد بها ماذا؟ أن يفعل هو .. أن يخلق.
فحينئذٍ هل تستلزم المحبة، بمعنى هل كل ما خلقه الله عز وجل يحبه ويرضاه؟ الجواب: لا، لماذا؟
لأنه بإدراك الواقع أن من المخلوقات ما هو شر كالكفر والمعاصي والفسق وإبليس .. ونحوه.
فحينئذٍ نقول: لا تستلزم المحبة .. الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، بل قد يكون الشيء مرادًا لله متحقق الوقوع وهو غير محبوب له، وقد هنا للتحقيق.
وأما الإرادة الشرعية الدينية فهي متعلقة بالأمر، يعني: ما أمر الله عز وجل به شرعًا .. أن يريد من العبد أن يفعل ما أمره به، وعليه فإن المأمور به يكون مرادًا لله تعالى إرادة شرعية دينية.