فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 1890

فإذا قلنا بأن العقل ليس كاشفًا عن حكم الله عز وجل وليس مشرِّعًا فالأصل في مثل هذه الأحوال أن نقول: قبل ورود الشرع، إن سُلِّم بأنه لا شرع، نقول: التوقف، لا ندري ما حكمها، وأما أن نحكم بكونها مباحة، نقول: هذا فيه نظر.

إذًا: الصورة الأولى التي حكم عليها بكونها مباحة: (إِنْ خَلَا وَقْتٌ عَنْهُ) يعني: عن الشرع.

حينئذٍ نقول: الحكم الشرعي مرده إلى الله تعالى، فلا شرع إلا بخطاب، والإباحة الشرعية إنما تكون بخطاب، فإذا لم يكن خطاب فلا نحكم بكونه واجبًا ولا مندوبًا ولا محرمًا ولا مكروهًا ولا مباحًا كذلك، والقول بالإباحة هذا مبناه على التحسين والتقبيح العقلي.

أو بعد الشرع (وَخَلاَ عَنْ حُكْمِهَا) هذا كيف يتصور؟ فإن خلا عن حكمها ولم يكن ثم سبيل فالأصل فيه التوقف.

أو (جُهِلَ) فحينئذٍ نرجع إلى الأصول، وقد دلت الأصول على أن ما بعد الشرع الأصل في الأشياء -في الأعيان- هو الإباحة؛ للدليل الشرعي.

{وَبِالإبَاحَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ} إذًا: (مُبَاحَةٌ) هذا خبر لقوله: (الأَعْيَانُ) وما عُطف عليه.

قال ابن قاضي الجبل العقود والمعاملات قبل الشرع حكمها حكم الأعيان، بل دخلت في كلام الجمهور.

{وَبِالإبَاحَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ, وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ, وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ سُرَيْجٍ. وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمْ؛ لأن خَلْقَهَا لاَ لِحِكْمَةٍ عَبَثٌ, وَلاَ حِكْمَةَ إلاَ انْتِفَاعُنَا بِهَا, إذْ هُوَ خَالٍ عَنْ الْمَفْسَدَةِ. كَالشَّاهِدِ} .

هذا إن كان قبل الشرع فهو تحكيم للعقل وليس كذلك، فحينئذٍ نقول: الأصل في هذه المسألة عند أهل السنة والجماعة: أن العقل لا يُشرِّع، فإذا فُرض خلو زمن عن شرع فحينئذٍ التوقف. توقيف .. نقول: الله أعلم .. لا ندري ما حكمها؛ لأنا نحتاج إلى خطاب وليس عندنا خطاب، والله تعالى أعلم بأحكامه.

قال هنا: {وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) )}

(( خَلَقَ لَكُمْ ) )اللام هنا للملك، ولا يملّك الله تعالى شيئًا إلا وهو مباح، وقال: (( جَمِيعًا ) )هذا من باب التوكيد والتأكيد.

{قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ, حَيْثُ سُئِلَ عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ, لَمْ نَسْمَعْ فِي قَطْعِهِ شَيْئًا} لكن هذا بعد الشرع، فالأصل في الأشياء الحل والإباحة، أما قبل الشرع فهذا لا يؤخذ من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وَفِي الرَّوْضَةِ مَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ إبَاحَتُهَا قَبْلَهُ. وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ.

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلَى الإبَاحَةِ لقولِهِ تعالى: (( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت