فاستدلوا بهذه الآيات على أن ما قبل الشرع أنها مباحة، لكن صورة المسألة في ماذا؟ قبل الشرع ولا عِلْم بالشرع، فلا يستدل بهذه الآيات على أنها قبل الشرع كانت مباحة، لماذا؟ لأن فرض المسألة في أعيان قبل الشرع ولا عِلم بالشرع، فحينئذٍ كيف نصل إلى حكمها؟
نقول: الحكم هو التوقف.
{لِقَولِهِ تَعَالَى: (( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) )وقولِهِ تَعَالَى: (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ) )، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ, فَحُرِّمَ لأِجْلِ مَسْأَلَتِهِ"، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"مَا سَكَتَ عَنْهُ: فَهُوَ عَفْوٌ"} .
إذًا: هذه كلها الأدلة تدل على أن الأشياء بعد الشرع الأصل فيها الحل والإباحة، وأما قبل الشرع فلا تدل على ذلك؛ لأن فرض المسألة عند خلو الشرع، فحينئذٍ لا نستدل بهذه الآيات والأخبار.
وعند ابن عقيل والموفق والمجد والأشعرية وغيرهم لا حكم لها أي: بالكلية.
قال ابن عقيل: لا حكم لها قبل السمع، فلا توصف بحظر ولا إباحة ولا وجوب بل هي كأفعال البهائم.
قال القاضي: إنما يتصور هذا الاختلاف في الأحكام الشرعيات، من تحريم الخمر، وإباحة لحم الأنعام .. وما أشبه ذلك مما قد يجوز حظره وتجوز إباحته، فأما ما لا يجوز فيه الحظر بحال كمعرفة الله تعالى ومعرفة وحدانيته، وما لا تجوز عليه الإباحة كالكفر بالله وجحد التوحيد وغيره فلا يقع فيه خلاف، بل هو على صفة واحدة لا تتغير ولا تنقلب، وإنما الاختلاف فيما ذكرنا.
هذا كما كذكرنا إذا تُصور خلو زمان عن الشرع، وإنما هي مسألة جدلية عقلية بحتة، ولا نظر لها إلى الشرع.
{إذَا تَقَرَّرَ هَذَا} قال الشارح {فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُوَافِقْ الْمُعْتَزِلَةَ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ, وَقَالَ بِالإِبَاحَةِ أَوْ الْحَظْرِ فَقَدْ نَاقَضَ} لأنه قال قبل الشرع أنها مباحة، وأنت رددت على المعتزلة، ثم تقول بالإباحة والإباحة حكم شرعي، إذًا: هذا تناقض، أراد أن يرد على هذا القول.
{فَاحْتَاجَ مَنْ قَالَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَى اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَا اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ} .
يعني: الإباحة لا مصدرها العقل، وإنما شيء آخر، يعني: من أجل أن ننفك عن المعتزلة، وهذا الشيء الآخر يحتاج إلى إثبات الشرع أنه طرقي شرعي.
إذ ليس عندنا طريق شرعيٌ مصدر للأحكام الشرعية إلا الوحي فقط، وأما المنامات والإلهام، والعقول، والآراء فليست مصدرًا من مصادر التشريع البتة .. لا الحكايات ولا القصص ولا المنامات.
قال: {وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بِإِلْهَامٍ} .
يعني: عُرفت الإباحة بالإلهام، وأين هو هذا الإلهام؟ هل هو قول الله تعالى؟ هل هو مما أوحاه الله تعالى إلى نبي من أنبيائه؟ الجواب: لا.
قال: (بِإِلْهَامٍ) .