{قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَرَفْنَا الْحَظْرَ وَالإبَاحَةَ بِالإلْهَامِ, كَمَا أُلْهِمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله تعالى عنهما أَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمُوَافَقَتِهِمَا} لكن لم يرد الشرع هنا بالموافقة؛ لأن فرض المسألة قبل ورود الشرع.
ثم الإلهام الذي وقع لأبي بكر وعمر ليس هو مصدرًا للتشريع، يعني: لم يكن هو المستند ابتداء وانتهاء، وإنما خواطر وقعت في النفس جاء الشرع بالموافقة.
(وَهُوَ) أي: الإلهام (مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ بِهِ) ، (يَطْمَئِنُّ بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْعِلْمِ.
(يَدْعُوَ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ) {أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ} .
يعني: ما تطمئن إليه النفس، وهذا نسمعه من بعضهم، يرجِّح بماذا؟ هذا ما تطمئن إليه النفس، نقول: هذا إلهام، وهذا ذكره شيخ الإسلام: في موضع نفاه، وفي موضع أثبته.
لكن هذا يُقيَّد، يعني: ما جاء في كلام شيخ الإسلام بأن الإلهام طريق شرعي في حق المرء نفسه، في حق المرء نفسه .. إذا اطمأن بعد البحث في المسائل والنظر، واطمأن إلى قول من القولين يعمل به في نفسه، وأما فتوى غيره به فهذا ينبني على القواعد والأصول فحسب، ولا ينبني على ما تطمئن به النفس؛ إذ ما اطمأنت به وإليه النفس ليس طريقًا شرعيًا؛ لأن القواعد والأصول هي الطريق الشرعي، فحينئذٍ تكون هي المحَكَّمة، وأما النفس وما تطمئن إليه نقول: هذا ليس طريقًا شرعيًا.
إذًا: (بِإِلْهَامٍ) وهو ما يحرِّك القلب بعلمٍ يطمئن به، يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ.
(وَهُوَ فِي قَوْلٍ: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ) وليس بطريق شرعي على الصحيح، هذا عند الصوفية يعتبر طريقًا شرعيًا.
حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الإلْهَامِ: هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَحُكِيَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ الحمد لله .. ليس من أهل السنة والجماعة.
{وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَحَدَّهُ أَبُو زَيْدٍ بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إِلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلاَلٍ وَلاَ نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ} هذا باطل هذا، إنما الكلام في ماذا؟ إذا نظر واستدل ثم اطمأن، هذا الذي يمكن أن يقال بأنه دليل شرعي أو يمكن أن يقع فيه النزاع، وأما دون نظر واستدلال نقول: هذا لا، هذه قد تكون وساوس شيطانية ومداخل شيطانية.
{وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ} كذا في شرح الكوكب، وفي شرح التحرير"الجهمية"وليس الحنفية {هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم} وهذا باطل {وَاحْتَجَّ لَهُ بِقوله تعالى: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) )أَيْ: عَرَّفَهَا بِالإيقَاعِ فِي الْقَلْبِ, وَبِقولِهِ تَعَالى: (( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ ) )، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"الآثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ, وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك"} هذا في شأن نفسه كما ذكرنا.