إذًا: خطاب الله تعالى {المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ} قال: {الْمُكَلَّفِ} بالإفراد، ولم يقل مكلفين على ما شاع عند كثير من الأصوليين؛ لأنه لو قال: مكلفين لخرج به ما تعلق بمكلف واحد، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف بالشرع، وقد يُكلَّف هو عليه الصلاة والسلام بحكمٍ ما دون غيره، وحينئذٍ إذا قال: المكلف بالإفراد ولم يجمعه شمل ما تعلق بفعل الواحد، مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أحكام شرعية ولا شك.
{وَكَالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ, وَإِجْزَاءِ الْعَنَاقِ فِي الأُضْحِيَّةِ لأَبِي بُرْدَةَ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ, وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ} .
وحينئذٍ نقول:"المكلف"بالإفراد أولى من جمعه؛ ليدخل ما اختَّص به واحد دون غيره، وهذا واقع في شأن النبي صلى الله عليه وسلم كخصائصه، وواقع في شأن غيره كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
{وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الذَّاكِرُ, غَيْرُ الْمُلْجَأِ, لاَ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ, وَإِلاَّ لَزِمَ الدَّوْرُ} يعني: لا يكون حكمًا شرعيًا إلا إذا تعلق، ومتى يتعلق؟ إذا كان خطابًا شرعيًا يكون سابقًا، ويلزم منه الدور وهذا فاسدٌ. {إِذْ لاَ يَكُونُ مُكَلَّفًا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ, وَلاَ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إِلاَّ بِمُكَلَّفٍ} .
حينئذٍ (خِطَابِ الشَّرْعِ) {المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ} . عندنا بعض الأحكام الشرعية متعلقة بفعل غير المكلَّف كالصبي والمجنون وإتلاف البهيمة، وهذا حينئذٍ عدَّل بعضهم في الحد، قال: المتعلق بفعل أو بأفعال العباد، ليشمل الصبي، ويشمل المجنون، ويشمل البهيمة إذا أتلفت، من أجل إدخال هذه الأنواع الثلاثة.
والصواب: أننا لا نحتاج إلى أن نبدل العبارة بل نبقي التكليف قيدًا هنا لبيان الحال، ويكون المراد بالصبي أو المجنون فيما يتعلق به من أحكام وضعية، وليس ما تعلق بالصبي أو المجنون أو البهيمة من الأحكام التكليفية، وإنما هي من الأحكام الوضعية، ولذلك نقول: والأحكام المتعلقة بفعل غير المكلَّف كالصبي والمجنون وإتلاف البهيمة إنما هي متعلقة بفعل الولي، وهو المأمور، وهو الآثم بتركها المثاب على فعلها، ولذا عبّر بعضهم بأفعال العباد ليشمل الضمان المتعلقة بفعل الصبي والمجنون، ومن اعتبر التكليف قيدًا في الحد رد ذلك إلى الحكم إلى الولي، وتكليفه بأداء قدر الواجب.
وكذا القول في إتلاف البهيمة ونحوه، فإنه حكم شرعي وليس متعلقًا بفعل المكلَّف، والحاصل: رده إلى التعلق بفعل المكلَّف، إلا أن التعلق تارة يكون بواسطة وتارة يكون بغير واسطة.
إذًا: كل ما تعلق من الضمانات ونحوها بالصبي أو المجنون أو البهيمة فهو راجع إلى وليها، يعني: ولي المذكورات.
فحينئذٍ يكون الولي مخاطبًا مباشرة فيما تعلق به ابتداءً، وإذا ترتب شيء على صبيه أو مجنونه أو بهيمته فحينئذٍ كذلك خوطب لكن بواسطة شيء آخر.
قال الزركشي رحمه الله تعالى: وقول الفقهاء: الصبي يثاب ويندب له.
هذا شاع عند الفقهاء؛ لأن ثم إشكال: الندب حكم شرعي تكليفي، لا شك في ذلك.