فهو مأخوذ من الصيغة نفسها وكذلك آتوا الزكاة.
(أَوْ لاَ مَعَهُ) يعني: ورد خطاب الشرع بطلب فعل وهو الاقتضاء (لاَ مَعَهُ) يعني: لَيْسَ مَعَهُ جَزْمٌ.
(فَنَدْبٌ) يعني: فهو ندب كسابقه.
نحو ماذا؟ نَحْوُ قوله تعالى: (( وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ) )، وباع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشهد، فهي قرينة صارفة للأمر هنا إلى الندب.
وقوله تعالى: (( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) )إلى آخره.
(أَوْ) وَرَدَ خِطَاب الشَّرعِ بالاقتضاء، لكنه بطلب ماذا؟ (بِطَلَبِ تَرْكٍ) إذ الاقتضاء نوعان -وهو الطلب-: إما طلب فعل وإما طلب ترك.
قال: (أَوْ بِطَلَبِ تَرْكٍ مَعَهُ) يعني: (مَعَ جَزْمٍ) {أَيْ قَطْعٍ مُقْتَضٍ لِلْوَعِيدِ عَلَى الْفِعْلِ} وهذا يؤخذ من صيغة لا تفعل، فلا تفعل دل على أمرين:
الأول: التحريم .. طلب الترك طلبًا جازمًا.
الثاني: الوعيد على الفعل.
إذًا: (بِطَلَبِ تَرْكٍ مَعَهُ فَتَحْرِيمٌ) يعني: فهو تحريم، نَحْوُ قوله تعالى: (( لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا ) )، (( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا ) ). وهكذا.
(أَوْ لا مَعَهُ) يعني: وَرَدَ بِطَلَبِ تَرْكٍ لا مع الجزم .. ليس معه جزم، كأن وُجدت قرينة صارفة لصيغة لا تفعل من التحريم إلى الكراهة.
قال: (فَكَرَاهَةٌ) أي: فهو كراهة، {كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ, ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ: فَلاَ يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ; فَإِنَّهُ فِي صَلاَةٍ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ} .
(أَوْ بِتَخْيِيرٍ) يعني: بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فهو إباحة.
{كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ:"إنْ شِئْت فَتَوَضَّأْ, وَإِنْ شِئْت فَلاَ تَتَوَضَّأْ"} . فسوى بين الفعل والترك.
وعُلم من كون الإباحة قسمًا للخطاب أنه يشترط في كونه إباحة إذن الشارع فيه، لماذا؟ لأننا أدخلناها هنا في مفهوم الحكم الشرعي، فدل على أن الإذن في التسوية بين الفعل والترك مرده إلى الشرع لا إلى العقل؛ إذ الإباحة نوعان: إباحة عقلية وهي البراءة الأصلية، وإباحة شرعية. الثانية هي المرادة هنا، والأُولى ليست مرادة هنا، وهي التي تسمى باستصحاب العدم.
فيخرج منه ما عُلمت إباحته بطريق البراءة الأًصلية فإنه مخير فيه ولا يسمى مباحًا إذ لا خطاب،
وَمَا مِنْ الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةْ ... قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةْ
الشرعية: هي التي تقبل النسخ، يعني: رفعها يسمى نسخًا، يكون مباحًا فيأتي التحريم مثلًا أو الإيجاب فحينئذٍ نُسِخ الحكم؛ لأنه حكم شرعي، وأما البراءة الأصلية كما هو الشأن قبل تحريم الربا مثلًا .. كان مباحًا قبل الشرع على الأصل .. البراءة الأصلية، فحينئذٍ لما جاء تحريم الربا لا نقول: نسخ الحكم السابق؛ لأنه لم يثبت بخطاب شرعي.
ثم قال: (أَوْ بِتَخْيِيرٍ فَإِبَاحَةٌ) .