فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1890

وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (( كَانَ عَلَى رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا ) )أَيْ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ, وَإِلاَّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

فَيُقَالُ فِي الْوَاجِبِ: حَتْمٌ وَمَحْتُومٌ وَمُحَتَّمٌ"لا يجب عليه شيء"هذا من فعل العباد، وأما إذا أوجب الباري شيئًا على نفسه فهو قد أوجبه ولا إشكال فيه، يعني: يمكن أن يقال بأن الباري جل وعلا قد أوجب أمرًا ما على نفسه، ومن ذلك حديث معاذ المشهور.

{قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَتَمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ حَتْمًا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - أَوْجَبَهُ جَزْمًا, وَتَحَتَّمْ: وَجَبَ وُجُوبًا لاَ يُمْكِنُ سُقُوطُهُ} .

(وَلاَزِمٌ) يعني: {وَكَذَا لاَزِمٌ} .

قال في الحاوي وغيره: حَتْمٌ وَلاَزِمٌ كَوَاجِبٍ.

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلاَ يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ عِنْدَ الأَكْثَرِ, وَهُوَ مِنْ اللُّزُومِ وَهُوَ لُغَةً: عَدَمُ الاِنْفِكَاكِ عَنْ الشَّيْءِ. فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ لاَزِمٌ وَمَلْزُومٌ بِهِ, وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ"وَمَنْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ ابْنُ لَبُونٍ"أي: وجب عليه ذلك.

(وَإِطْلاَقُ الْوَعِيدِ) يعني مما يدل على الواجب.

قال: (نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ) اختاره الأكثر، فلا يقبل تأويلهم.

{لأَنَّ خَاصَّةَ الْوَاجِبِ مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ خَاصَّةِ الشَّيْءِ بِدُونِ ثُبُوتِهِ إلاَّ فِي كَلاَمِ مَجَازٍ} .

إذًا: إطلاق الوعيد يدل على الوجوب، وهو واضح بيّن.

(وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ) {مَأْخُوذٌ مِنْ كَتَبَ الشَّيْءَ إِذَا حَتَّمَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ, وَتُسَمَّى الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ} .

{ (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ) )، وقال صلى الله عليه وسلم:"خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، وَمِنْهُ قوله تعالى: (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ) (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ ) )كُلُّ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ} .

إذًا: ذهب المصنف إلى أن هذه المذكورات: وجب، وفرض، وحتم، ولازم، وإطلاق الوعيد، وكُتب عليكم .. نص في الوجوب.

أما (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هذا وارد استعماله أنه لم يستعمل إلا في الوجوب.

وأما (حَتْمٌ وَلَازِمٌ) فهذه محتملة، وكذلك: فرض ووجب كلها محتملة.

وقوله: (نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ) هذا فيه نظر، بل هي ظاهرة في الوجوب إن دلت القرينة على ذلك.

وَأَمَّا قوله تعالى: (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ) )- الآيَةَ.

فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَجَبَ. وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا وَنُسِخَتْ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا.

يعني: اختلف فيه،"كُتب"هنا حمله بعضهم على المستحب، فحينئذٍ استعمل في غير المعنى الذي يتبادر منه، فكيف يكون نصًا في الوجوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت