حينئذٍ المخالف أحد رجلين: إما مرجئ، وإما لم يثبت عنده الحق بدليله، فينتبه لهذه المسألة، ليس كل من لم يكفِّر تكون أصوله على أصول أهل السنة والجماعة، فينظر مسألة الإيمان عنده أين هي؟ فإن كان العمل داخلًا في مسمى الإيمان وهو ركن، والمراد به الجنس وليس كالمعتزلة: آحاد الأعمال، فحينئذٍ إذا قيل: الجنس، هل هو معيّن أم لا؟
من كُفِّر بترك الصلاة عيّنه ولا إشكال، ولا نحتاج أن نقول: نضعّف القول بالجنس، ما المراد به؟ لو استاك لثبت عنده الإيمان، نقول: هذا تلاعب؛ لأنه إذا ثبت بأن تارك الصلاة يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام فحينئذٍ تعيّن الجنس، ويلزمك هذا .. يلزمك بأن تقول بأن الجنس معيّن"لماذا؟ للإجماع القائم. إما أن تُبطل الإجماع فلا يثبت عندك، وأما أن تنظر في مسائل الخلاف من حيث الأدلة."
قال: (وَإِنْ كَنَّى الشَّارِعُ عَنْ عِبَادَةٍ بِبَعْضِ مَا فِيهَا) يعني: بجزء من أجزائها، وأطلق اللفظ تامًا؛ لأنه يعتبر مجازًا.
{نَحْوِ تَسْمِيَةِ الصَّلاَةِ قُرْآنًا فِي قوله تعالى: (( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) )} يعني: صلاة الفجر، وعبّر بالقرآن عن الصلاة.
{وَنَحْوِ التَّعْبِيرِ عَنْ الإحْرَامِ بِالنُّسُكِ بِأَخْذِ الشَّعْرِ فِي قوله تعالى: (( مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) )} دل على أن الأخذ يعتبر فرضًا.
(دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ) أَيْ فَرْضِ الْمُكَنَّى بِهِ عَنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ.
فَيَدُلُّ قوله تعالى: (( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) )عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَيَدُلُّ قوله تعالى (( مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ) )عَلَى فَرْضِيَّةِ الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ؛ لأن الْعَرَبَ لاَ تُكَنِّي عَنْ الشَّيْءِ إلاَ بِالأَخَصِّ بِهِ اللازم له، الذي يفوت الكل بفوات هذا الجزء.
{وَكَذَا قوله تعالى: (( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) )يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاَةِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ} ولم يحكِ خلافًا.
ثم قال رحمه الله تعالى .. من المسائل المتعلقة بهذا الفصل القاعدتان المشهورتان عند الأصوليين: الأولى: (وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا) .
والثانية: (وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِمُكَلَّفٍ فَوَاجِبٌ) .
هاتان مسألتان منفكتان.
الأولى: (مَا لاَ يَتِمُّ الْوُجُوبُ) يعني: ما لا يوجد الوجوب، ومر معنا أن الوجوب ما هو؟ هو الحكم الشرعي.
قد يتوقف الوجوب على شرط أو سبب، يعني: لا يصدق بأن هذا واجب إلا إذا وجد شرطه أو سببه، فحينئذٍ البحث هنا في ماذا؟ هل هو في فعل المكلَّف أو في صفة خطاب الشرع؟ الثاني"في صفة خطاب الشرع".
حينئذٍ (مَا لاَ يَتِمُّ الْوُجُوبُ) يعني: ما لا يوجد الوجوب إلا به مطلقًا سواء كان في مقدور المكلَّف أو لا (لَيْسَ بِوَاجِبٍ) .