ولذلك قال: (فَوَاجِبٌ) أي: بوجوب الواجب، فالأدلة الدالة على أن هذا واجب دلت على أن الشروط والأسباب وكذلك انتفاء الموانع أنها واجبة، لا نحتاج إلى دليل منفك منفصل عن النص، هذا المراد هنا.
قال هنا في كلام القرافي: ففرق بين قول السيد لعبده: اصعد السطح -أطلقه، لم يقيده بشيء-، وبين قوله: إذا نُصب السلم فاصعد السطح، فالأول مطلقٌ في إيجابه"اصعد السطح"فهو موضع الخلاف.
والثاني مقيد في إيجابه، فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعًا، فإذا قيده بأمر خارج عن الواجب ونص عليه، حينئذٍ لم يأمره بنصب السلم؛ لأنه إذا قال: إذا نُصب السلم فاصعد السطح، أمره بصعود السطح، لكن نصب السلم هذا لم يأمره به.
حينئذٍ لما نص عليه خرج عن دلالة الواجب في دلالته على هذا الشرط.
ولذلك قال هنا: فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعًا، وكما لو قال له: صلِّ -هذا مثال شرعي-، وعلمنا أنه يتعذر إيقاع الصلاة دون طهارة، هذا هو محل النزاع.
وقيل: هو واجب في نفسه بلا نزاع، والخلاف: هل وجوبه بوجوب ذلك الواجب المتوقف عليه، أو وجوبه حاصل من دليل آخر غير دليل الواجب المذكور؟ هذا محل النزاع. فيُنتبه للمسألة.
قال الكوراني في شرح جمع الجوامع: الواجب المطلق هو الذي لا يكون بالنظر إلى تلك المقدمة التي يتوقف عليها مقيدًا، وإنما جاء مطلقًا، وإن كان مقيدًا بقيود أُخر فإنه لا يخرجه عن الإطلاق كقوله تعالى: (( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) ) [الإسراء:78] ، فإن وجوب الصلاة في هذا النص مقيد بالدلوك وغير مقيد بالوضوء والاستقبال.
فحينئذٍ مقيد بالدلوك، لكن لا يجب عليه تحصيله، ليس بوسعه وليس بقدرته، فلا يتم الوجوب إلا به، حينئذٍ لا يكون واجبًا عليه.
وكذلك قال: غير مقيدًا بالوضوء والاستقبال، فوجب عليه تحصيل الوضوء والاستقبال.
إِذَا عَلِمْت ذَلِكَ, فَلاَ يَخْلُو:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ جُزْءًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ يعني: داخلًا في ماهيته، ركنًا أو واجبًا.
{كَالسُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ. فَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ} فهو واجب اتفاقًا.
إن كان الواجب المأمور به وتوقف على شيء، هذا الشيء داخلٌ في مفهومه، بمعنى أنه ركن أو واجب، فهذا لا خلاف فيه فهو واجب اتفاقًا، لماذا؟ قاعدة، والقاعدة مهمة انتبه لها، وكثيرًا ما يستعملها الشوكاني رحمه الله تعالى في كتبه.
{لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا} ضمنًا.
إذا أمر الشارع بالصلاة، وعلمنا أن الصلاة هذه ليست جزءًا واحدًا وإنما هي أجزاء، فحينئذٍ إذا أمر بالصلاة نقول: هذا الدليل يصلح أن يُتمسك به في أن كل جزء داخل في هذه الصلاة فهو مأمور به، هذا هو الأصل، إلا إن دل دليل على أنه ليس مأمورًا به .. نرجع إلى القرينة، أما الأصل فالقاعدة هذه صحيحة مسلمة: أن الأمر بالماهية المركبة أمر بكل جزء من أجزائها ضمنًا، هذا أولًا"الاحتمال الأول: أن يكون داخلًا في مفهومه".
{وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ} وهذا الذي يبحثه الأصوليون في هذا الموضع.