(وَإِنْ طُلِبَ الْفِعْلُ) {أَيْ حُصُولُهُ} وإيجاده (فَقَطْ فَمَعَ جَزْمٍ) يعني: (فَـ) {طَلَبُهُ} (مَعَ جَزْمٍ) {كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ} (فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، هنا لم يُنظر إلى الذات وإنما نُظِرَ إلى الفعل، هذا محل الفرق بين النوعين، فرض العين المقصود ابتداءً وانتهاءً هو الذات، ثم يكون الفعل تابعًا، وأما فرض الكفاية فالمقصود أولًا وانتهاءً هو الفعل، ثم يكون الفاعل تابعًا.
قال:(فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَبِدُونِهِ)يعني: طلب حصول الفعل بدونه، {أَيْ: بِدُونِ جَزْمٍ، كَابْتِدَاءِ السَّلامِ مِنْ جَمْعٍ} وتشميت العاطس على قول، {فَهُوَ} (سُنَّةُ كِفَايَةٍ) سُمِّي فرض كفاية؛ لأن فعل البعض فيه يكفي في سقوط الإثم.
إذًا: ينقسم الواجب إلى: واجب عين وإلى كفاية. والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية: أن فرض العين -يعني: غير ما سبق وهو أهم من حيث الحد-: أن المخاطَب به الذات في فرض العين والفعل تبع على العكس في فرض الكفاية، كذلك من الفروق بينهما: {أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ مَا تَكَرَّرَتْ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ} يعني: ما رُتِّبت عليه المصلحة باقية، بخلاف فرض الكفاية؛ فإنها تنتهي وتذهب وتزول.
{كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَمُنَاجَاتُهُ وَالتَّذَلُّلُ وَالْمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَهَذِهِ الآدَابُ تُكَرَّرُ كُلَّمَا كُرِّرَتْ الصَّلاةُ} فهي باقية لا تنتهي.
{وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا لاَ تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ، كَإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ} انتهى، أنجاه وانتهى الوضع، حينئذٍ لا نحتاج إلى فعله مرة أخرى.
وكذلك {غُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَنَحْوِهَا} كلها من فروض الكفايات ولا تتكرر المصلحة، {فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ تَبَايُنَ النَّوْعَيْنِ} .
ثم قال: (وَهُمَا مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إِلَى فَاعِلِهِ) هذا حد لفرض العين وسنة العين.
(وَهُمَا) {أَيْ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ} (مُهِمٌّ) {أَيْ: أَمْرٌ يُهْتَمُّ بِهِ} وهذا شأن كل عبادة، وهو قسمان: (مُهِمٌّ) لا بد من حصوله، و (مُهِمٌّ) يُشرع حصوله، لماذا قلنا قسمان؟ مهم لا بد من حصوله؛ هذا الفرض، ومهم يُشرع حصوله؛ هذا السنة.
(يُقْصَدُ حُصُولُهُ) يعني: يُقْصَدُ هذا المهم {مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ} (حُصُولُهُ) يعني: إيجاده وإيقاعه {مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إِلَى فَاعِلِهِ} هذا فرض الكفاية.
قال في شرح التحرير: ومعناه: أن فروض الكفاية أمور كليَّة تتعلق بها مصالح دينية ودنيوية، لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، فيقصِد الشرع حصولها ولا يقصد تكليف الواحد وامتحانه فيها، بخلاف فروض الأعيان؛ فإن الكل مكلفون بها ممتحنون بتحصيلها. وهذا فرق جوهري بين النوعين.