فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1890

إذًا: فرض العين هذا لا بد من مراعاة الذات فيه، والفعل يكون تابعًا له، وفرض الكفاية الأصل في النظر يكون للفعل، والفاعل يكون تابعًا له، وهذا الحد يشمل سنة الكفاية، فإنه لم يقل: يقصد الشرع حصوله لزومًا، وإنما قال: (يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ) ولم يقل: لزومًا, ولو قال لزومًا؛ لخرجت سنة الكفاية.

{ودَخَلَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ} على قول، وفيها خلاف هل هي من فروض الكفايات أم لا؟ لكن المشهور عند الفقهاء: أنها من فروض الكفايات.

فإنه أطلق قوله: (مُهِمٌّ) ولم يقل ديني كما قال بعضهم"مهمٌ دينيٌّ"فحينئذٍ خرجت الحرف والصناعات، لكن لما قال: (مُهِمٌّ) ولم يقيده بكونه دينيًا؛ حينئذٍ دخل فيه الديني والدنيوي.

وقوله: (مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إِلَى فَاعِلِهِ) {مُخْرِجٌ لِفَرْضِ الْعَيْنِ وَسُنَّةِ الْعَيْنِ، لأَنَّ مَا مِنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ إِلاَّ وَيَنْظُرُ فِيهِ لِلْفَاعِلُ} هذا لا شك، لكن قد يُنظر له ابتداء، وقد يُنظر له ثانيًا، فرق بينهما من هذه الحيثية.

{لأَنَّ مَا مِنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ إِلاَّ وَيَنْظُرُ فِيهِ للْفَاعِلُ حَتَّى يُثَابَ عَلَى وَاجِبِهِ وَمَنْدُوبِهِ، وَيُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ -إنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ-. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي كَوْنِ الْمَطْلُوبِ عَيْنًا يُخْتَبَرُ بِهِ الْفَاعِلُ -نفسه- وَيُمْتَحَنُ، لِيُثَابَ أَوْ يُعَاقَبَ. وَالْمَطْلُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ يُقْصَدُ حُصُولُهُ قَصْدًا ذَاتِيًّا، وَقَصْدُ الْفَاعِلِ فِيهِ تَبَعٌ لاَ ذَاتِيٌّ} لضرورة أنه لا بد للفعل من فاعل.

ثم قال: (وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ) عرفنا الفرق بين النوعين، أما فرض العين فهو واضح أنه على الجميع؛ لأن المقصود به الذات، فكل واحد داخل ولا إشكال فيه، أما فرض الكفاية الذي لا يُعتبر فيه الذات -الشخص- حينئذٍ يجب على من .. متعلَّق الوجوب هل هو جميع الناس يجب عليهم أو أنه البعض؟ فيه قولان، والصحيح ما قدمه المصنف هنا رحمه الله تعالى، وهو: أن متعلَّق فرض الكفاية من حيث الخطاب يكون للجميع، لكن فعل البعض يُسقط المخاطبة أو الإثم عن الباقين، وإلا الأصل في الخطاب إنما يتوجه إلى الجميع.

(وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ) يعني: {وَاجِبٌ} (عَلَى الْجَمِيعِ) على الصحيح عند جماهير العلماء منهم الأربعة، لإثم الجميع بتركه إجماعًا. وهذا دليل واضح بيِّن أن الخطاب إنما يتعلق بالجميع؛ لأنه لو وجب شيء ما وهو على فرض الكفاية، كغسل الميت مثلًا لو تركوا كلهم أثموا، دل على أن الجميع مخاطبون بهذا الواجب، وهذا يدل على أنهم مخاطبون به.

{قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: الْغَزْوُ} وهو الجهاد، وهو من فروض الكفايات.

{الْغَزْوُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَإِذَا غَزَا بَعْضُهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ} هذا التعريف لفرض الكفاية مع مثال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت