{وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي"الأُمِّ": حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، لاَ يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى} وهذا تعريف لفرض الكفاية مع مثال.
إذًا: الصحيح عند الجماهير أن فرض الكفاية واجب على الجميع، فإن تركه الكل أثموا.
(وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ الْجَازِمُ وَالْإِثْمُ بِفِعْلِ مَنْ يَكْفِي) فإذا فعله البعض وحصل المقصود من الأمر وهو إيقاع الفعل فحينئذٍ نقول: حصل الإجزاء، وارتفع الإثم عن الباقين.
(وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ) يعني: طلب الفعل الجازم.
(وَالْإِثْمُ) فيما يترتب عليه عند عدم الامتثال {فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ} (بِفِعْلِ مَنْ يَكْفِي) وهذا رخصة وتخفيفًا، كما قال هنا: {رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ} قال في التحرير: إجماعًا، وذلك لأن المقصود منه الفعل وقد وُجِدَ، وإذا كان كذلك حينئذٍ حصل الامتثال.
ويكفي في سقوطه غلبة الظن، يعني: إذا خُوطب الكل وظن الظان أنه قد فعل البعض حينئذٍ لا يأثم، لماذا؟ لأن الظن معتبر في إيجاد العبادات وكذلك في إسقاطها، فإذا غلب على ظن طائفة أن غيرها قام به سقط، يعني: لا يلزم من ذلك أن يتعين .. أن يكون عنده علم اليقين بأن طائفة ما قد قامت بهذا الفعل، بل يكفي الظن. قاله القاضي والشيخ تقي الدين والطوفي وغيرهم.
ومن شرط سقوط فرض الكفاية: أن يكون فاعله مكلفًا من الآدميين، فلا يسقط بفعل مميز إلا فيما المقصود حصوله فقط، كحمل الميت ودفنه ونحوهما، ولنا المذهب خلاف في الأذان وغسل الميت وغيرهما، لكن المشهور في المذهب صحة الأذان من المميز، وغسل الميت من المميز كذلك صحيح.
قال في التحبير: ولنا أيضًا في غسل الملائكة والجن للميت خلاف ضعيف في الإجزاء، يعني: لا يجزئ، قاله في شرح التحرير.
إذًا: يكفي الظن في سقوط الإثم والطلب عن الطائفة، يعني: المخاطب به، يكفي إذا ظن أن غيره قد قام به كفاه ذلك، ولا يجب اليقين.
(عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لاَ يَقُومُ بِهِ) العكس، يعني: إذا ظن أن غيره لم يقم به تعين، {وَيَجِبُ عَيْنًا عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لاَ يَقُومُ بِهِ أَيْ: بِفَرْضِ الْكِفَايَة؛ لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ} لأنه كما يصلح مثبتًا للتكاليف يصح مسقطًا لها، حينئذٍ في الطرفين: يكفي الظن في كونه قد ظن أن طائفة قد قامت بهذا الفرض، وسقط عنه حينئذٍ فلا يأثم بمجرد الظن، والعكس كذلك؛ لو ظن أنه لم يقم أحد بهذا الفرض -فرض الكفاية- حينئذٍ تعين عليه هو، ويكفي الظن أنه لم يقم به أحد.
ثم قال: (وَإِنْ فَعَلَهُ الْجَمِيعُ مَعًا كَانَ فَرْضًا) يعني: في حق الجميع، هب أنهم قد قاموا به في وقت واحد.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) {أَيْ: فَعَلَ الْمَطْلُوبَ حُصُولُهُ} (الْجَمِيعُ) جميع الناس المخاطبين.
(مَعًا) {أَيْ: غَيْرَ مُرَتَّبٍ} (كَانَ فَرْضًا) {فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي تَمْيِيزَ بَعْضِهِمْ} قال في التحرير: إجماعًا.