(وَنَحْوِهَا) يعني: نحو كفارة اليمين، {كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) )} هذه أو للتخيير، إذًا: هو موجود في الشريعة، والوقوع دليل الجواز، ما دام أنه وقع وحصل دل على أنه جائز، لو لم يكن جائز لما جاءت به الشريعة، يعني: إذا جئنا إلى الاستدلال العقلي .. والأصوليون معلوم أن المتكلمين يستدلون عقلًا أولًا ثم ينظرون في الشرع، لكن نحن نقول ماذا؟ نجمع بين الأمرين، فالاستدلال العقلي قد يُنظر إليه دون نظر في الأدلة الشرعية هل هو واقع أم لا؟ لكن في مثل هذه الأحوال ما دام أنه واقع واشتهر عند أهل العلم وخاصة الصحابة .. على فقه السلف، حينئذٍ نقول: ما دام أنه واقع فهو جائز، ومن منع منه عقلًا حينئذٍ نقول: هذا بعقله خلل، يعني: لم يوافق ما جاءت به الشريعة.
إذا كان كذلك (فَالْوَاجِبُ) من هذه الأشياء (وَاحِدٌ لاَ بِعَيْنِهِ) عند أكثر العلماء، وقاله عامة الفقهاء، وحُكي: إنه إجماع السلف وأئمة الفقهاء.
(وَيَتَعَيَّنُ بِالْفِعْلِ) إذًا: (الْوَاجِبُ وَاحِدٌ لاَ بِعَيْنِهِ) لماذا؟ لأن الشارع جوَّز التخيير بين هذه المذكورات، فجوَّز له في كفارة اليمين بين ماذا؟ قال: (( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ) )الإطعام، (( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) )فالواجب إما الأول وإما الثاني وإما الثالث، هل هو معيَّن؟ الجواب: لا، ليس معينًا.
(وَيَتَعَيَّنُ بِالْفِعْلِ) يعني: يتعين ذلك الواحد إذا أقدم وشرع فيه، فإن شرع في الإطعام تعين .. فصار هو المعيَّن، وإن شرع في الكسوة تعيَّن، وإن شرع في تحرير الرقبة تعيَّن عليه. إذًا: قبل الفعل هو مخيَّر بين الأمور على السواء، إن اختار الأول أو الثاني أو الثالث، لكن إن شرع في واحد منها حينئذٍ صار معينًا، ولذلك قال: (وَيَتَعَيَّنُ) {ذَلِكَ الْوَاحِدُ} (بِالْفِعْلِ) {ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ، لأَنَّهُ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ عَقْلًا، كَتَكْلِيفِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِفِعْلِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ ذَاكَ، عَلَى أَنْ يُثِيبَهُ عَلَى أَيِّهِمَا فَعَلَ، وَيُعَاقِبَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. وَلَوْ أَطْلَقَ لَمْ يُفْهَمْ وُجُوبُهُمَا. وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْجَمِيعَ وَلاَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ؛ لأَنَّهُ خَيَّرَهُ} الله عز وجل لم يرد هذه الثلاثة الأمور في كفارة اليمين، بدليل ماذا؟ بدليل:"أو"التي للتخيير.
{وَلَوْ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ لِلْجَمِيعِ لَوَجَبَ عِتْقُ الْجَمِيعِ} أليس كذلك؟ {إِذَا وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَتَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ بِالْخَاطِبَيْنِ، إِذَا وَكَّلَتْهُ فِي التَّزْوِيجِ بِأَحَدِهِمَا} المراد هنا: أنه ما دام أنه وقع في الشرع حينئذٍ نقول: (الْوَاجِبُ وَاحِدٌ لاَ بِعَيْنِهِ) فإن فعل أو تلبس بواحد منها تعيَّن عليه ذلك الواجب وصار معيَّنًا.