قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، إِلاَّ أَنَّ التَّخْيِيرَ هُنَا فِي التَّرْكِ، وَهُنَاكَ فِي الْفِعْلِ. فَكَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْجَمِيعِ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِالْبَعْضِ، وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ الْبَاقِيَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ هنا. {وَأَنْ يَتْرُكَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ هُنَا، عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ} وكما لا يجوز له الإخلال بجميعها بل عليه فعل شيء منها في الواجب المخيَّر لا يجوز له الإخلال بالترك جميعًا هنا، بل يجب عليه ترك شيء منها، ولأنه اليقين والأصل.
{فَأَهْلُ السُّنَّةِ} المراد بأهل السنة هنا: ما يشمل الأشاعرة عندهم.
{جَوَّزُوا النَّهْيَ} وإن كنَّا نحن لا نرى هذا الاصطلاح.
{فَأَهْلُ السُّنَّةِ جَوَّزُوا النَّهْيَ عَنْ وَاحِدٍ لاَ بِعَيْنِهِ، وَجَوَّزُوا فِعْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّخْيِيرِ. وَمَا دَامَ لاَ يُعَيِّنُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا} حتى يعيَّن.
قال: (وَلَوْ اشْتَبَهَ مُحَرَّمٌ بِمُبَاحٍ) كمية بمذكاة، الميتة حرام والمذكاة مباحة، اشتبه .. لا يدري هل هذه مذكاة وهذه الميتة أو بالعكس؟ ماذا؟ (وَجَبَ الْكَفُّ) .
(وَلَا يَحْرُمُ الْمُبَاحُ) لماذا؟ لأنه في الأصل مباح، فحينئذٍ (وَجَبَ الْكَفُّ) يعني: الإقدام، حتى يتبين له المذكاة من الميتة، وهذا عند الإمام أحمد وأصحابه، {لأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَحْرُمْ} هو باق على أصله، أُبيح بأصل الشرع، ولا يحرم إلا بالشرع، ولما اشتبه حينئذٍ وجب الكف، والكف غير تحريم المباح، الكف فعل الفاعل .. بأن يكف، يعني: لا يقدم على الأكل من الاثنتين، وحينئذٍ نقول: هذا كف، فيجب عليه الكف، ولكن هل تحرُم المذكاة؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن المباح إنما ثبت بأصل الشرع، يعني: بدليل شرعي، وحينئذٍ لم يحرم إلا بدليل شرعي ولا دليل، والاشتباه منع الكف فقط، ولم يقلب حكم المذكاة من الإباحة إلى التحريم.
{وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ: أَنَّهُ اشْتَبَهَ، فَمَنَعْنَا لأَجْلِ الاِشْتِبَاهِ، لاَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ} يعني: في ذاته. {فَإِذَا تَبَيَّنَ} ينبني على ذلك: أنه لو زال الاشتباه حينئذٍ المذكاة ما حكمها؟ على أصلها .. الإباحة، لو زال الاشتباه حينئذٍ نقول: الإباحة هي باقية عليها قبل الاشتباه وبعد الاشتباه، وإنما الذي حرم هو الكف.
{فَمَنَعْنَا لأَجْلِ الاِشْتِبَاهِ، لاَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، فَإِذَا تَبَيَّنَ الْمُحَرَّمَ زَالَ ذَلِكَ. فَوُجُوبُ الْكَفِّ ظَاهِرًا لا يَدُلُّ عَلَى شُمُولِ التَّحْرِيمِ} فالكف شيء وشمول التحريم للميتة والمذكاة هذا شيء آخر، ولهذا لو أكل الاثنتين .. لو خالف وأكل الثنتين قال: لا أكف عن الاثنتين ولكن آكل الاثنتين؛ حرم على ماذا؟ أثم على أي شيء؟ أثم على أكل الميتة فحسب، وأما المباح -المذكاة- فلا يأثم عليها البتة، ولذلك قال: {وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَهُمَا لَمْ يُعَاقَبْ إِلاَّ عَلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ وَاحِدَةٍ} إن عُوقب.