حينئذٍ لا يستحيل عقلًا أن يوصف الفعل بالشخص هنا أنه واجب وحرام في وقت واحد، لكن بالنظر إلى الصلاة فهو مأمور، وبالنظر إلى المغصوب فهو منهي عنه.
قال هذا من حيث ماذا؟ من حيث التجويز العقلي، والجواز العقلي لا يلزم منه الجواز الشرعي، والنظر إنما يكون فيما دون الشرعيات.
قال: (وَلا تَصِحُّ) إذًا: لا يستحيل ولا تصحُ، يعني: الصلاة باطلة.
(وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا) ، (لاَ وَلَا تَصِحُّ) (لاَ) يعني: لا يستحيل عقلًا اجتماع الوجوب والتحريم.
(وَلاَ تَصِحُّ) يعني شرعًا، وإذا قيل: لا تصح حينئذٍ لزم منه الحكم بالبطلان والفساد؛ لأنهما متقابلان، فإذا ثبت الفساد ارتفعت الصحة، وإذا نُفيت الصحة ثبت الفساد والبطلان، فحكمنا على هذه الصلاة بأنها فاسدة باطلة ولذلك عبّر المصنف بأنها لا تصح.
ثم قال: (وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا) يعني: لا يسقط القضاء، فلو انفك عن الغصب قبل خروج الوقت حينئذٍ لزمه أن يصلي، وعلى كلام الفقهاء أنه ولو خرج الوقت حينئذٍ لزمه القضاء.
إذًا: هذه الصلاة التي صلاها نحكم عليها بكونها باطلة؛ لأنها في دار مغصوبة والتعليل آت، ثم هل سقط بها الطلب، بمعنى أن هذه الصلاة التي صلاها هل برئت بها الذمة؟
الجواب: لا، بل القضاء لازم له.
قال: (وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا) {أَيْ بِالصَّلاةِ فِي الْمَغْصُوبَةِ مِنْ بُقْعَةٍ أَوْ سُتْرَةٍ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهٌ لأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ} وهو الصحيح المرجّح إن شاء الله تعالى: أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح، والدليل على ذلك وهو عدم الصحة مطلقًا: أنه متى أخَّل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها، وما هو شرط العبادة هنا؟
نية التقرب بهذه الصلاة، فحينئذٍ هو عاص أو متقرب؟ هل هو مطيع أم عاص؟
نقول: الثاني، لماذا؟ لكونه قد تلبّس بفعل ليس هو له، يعني لم يؤذن له استعمال هذه الأرض أو أن يتصرف فيها دون إذن مالكها، فحينئذٍ نقول: هو عاص.
ثم جاء الأمر بالصلاة، فحينئذٍ يكون الغصب سابقًا للأمر بالصلاة، حينئذٍ الصلاة التي يصليها في هذه الدار المغصوبة والأرض المغصوبة هل تدخل تحت الأمر بمطلق الصلاة؟ هنا المحكُّ. إذا قال: وأقيموا الصلاة، هل الأمر بإقامة الصلاة يشمل هذه الصلاة التي هي في الدار المغصوبة؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنها معصية.
فكل فعلٍ يتلبس به سواءٌ قصد به القرب والطاعة أو لا على هذه الأرض فهو معصية مطلقًا دون استثناء، سواء قصد به الصلاة أو قصد به غير ذلك، نقول: كل حركة من قيام وركوع وسجود واضطجاع وأكل وشرب فهو آثم، حينئذٍ يكون عاصيًا.
ولا يمكن أن تدخل هذه الأفعال وهي محكوم عليها بكونها معصية تحت قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] أولًا: لعموم الحديث: وهذا قد عمل أمرًا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ هي مردودة عليه.