فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1890

ثانيًا: ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى وهو انتفاء شرط العبادة وهو النية؛ لأنه لا يمكن بل يتعذر أن ينوي بمعصية القربة إلى الله تعالى، ولذلك قال هنا: {أَنَّهُ مَتَى أَخَلَّ مُرْتَكِبُ النَّهْيِ} عمم .. كقاعدة عامة {بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالصَّلاةِ شَرْطٌ} ؛ لأنها لا تصح إلا بنية وهو من الواجبات التي لا تصح إلا بنية.

قال: {وَالتَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ} .

أيضًا من الأدلة: {مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: الطَّاعَةُ وَنِيَّتُهُ بِهَا أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَحَرَكَتُهُ مَعْصِيَةٌ} مطلق الحركة فهي معصية، {وَنِيَّةُ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، بِمَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ وَاجِبٍ مُحَالٌ} فكيف ينوي بهذه المعصية أنها أداء عن واجب فهي محال.

و {أَيْضًا مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: إبَاحَةُ الْمَوْضِعِ} ، فقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] قلنا: الأمر بالماهية المركبة أمر بكل جزء من أجزائها ضمنًا، حينئذٍ أمر بالوضوء بهذه الآية، وأمر بتعلُّم كيفية الصلاة بهذه الآية، وأمر باستقبال القبلة بهذه الآية، وأمر باجتناب النجاسة بهذه الآية، وأمر بأن يكون الموضع مباحًا شرعًا بهذه الآية .. فدل ذلك على أنه لو صلى على موضع لا يجوز له الصلاة عليه يعني: لم يُبح له، حينئذٍ لا يشمله هذا الأمر، الصلاة التي أَمر بها هي الصلاة التي تقع على وفق الشرع، فإن اختل منها شيء من الأمور فحينئذٍ لا تسمى صلاة شرعًا.

قال هنا: {إِبَاحَةُ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ. فَهُوَ كَالنَّجَسِ} لو تعمد أن يصلي على أرض نجسة، ما حكم صلاته؟ باطلة بالإجماع، لو تعمد -عند من قال بالشرطية- إذا تعمد أن يصلي على أرض نجسة دون ضرورة، فحينئذٍ ماذا نقول؟ ما حكم صلاته؟ باطلة، هل نقول الجهة منفكة؟ لا، لا نقول الصلاة مأمور بها وهذه الأرض نجسة منهي أن يصلي عليها، فالصلاة صحيحة مع الإثم، نقول: لا، وإنما نقول: صلاته باطلة.

كذلك كل موضع صلى عليه وهو محرّمٌ، ولا فرق بين كونه محرمًا من جهة كونه نجسًا أو غيره، فكل موضع صلى عليه وهو غير مباح فالحكم واحد، نقول: الصلاة هذه باطلة ولا يشملها الأمر، فهو كالنجس.

{وَلأَنَّ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ هَذِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا} هذه الصلاة منهي عنها قطعًا؛ لدخولها في عموم الحركة المنهي عنها على هذه الأرض، ثم هذه الصلاة من حيث كونها موافقة للشرع في الصورة هل يتناولها الأمر أم لا؟ قال هنا: {وَلأَنَّ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ هَذِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا} فإذا كان كذلك فلم يمتثل، وإذا لم يمتثل حينئذٍ نقول: فعله لا يعد شرعيًا، حينئذٍ يعاد عليه بالبطلان {فَلا يَجُوزُ كَوْنُهَا وَاجِبَةً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى} .

وهنا كلام متين لابن قاضي الجبل قال: احتج المخالف -يعني من قال بصحة الصلاة في الدار المغصوبة-، احتج المخالف بطاعة العبد وعصيانه؛ بأمره بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص.

يعني: لو قال السيد لعبده: خِط هذا الثوب، ولا تخِط هذا الثوب في هذه الغرفة، وحينئذٍ خاط في هذه الغرفة، يعتبر ماذا؟ عاصيًا مطيعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت