قال: فالصلاة مأمور بها والغصب منهي عنه، حينئذٍ يؤمر بالصلاة ويثاب عليها، أو لا ثواب عليها على الخلاف فيها، وتصح منه، وهو منهي عن البقاء في هذا الغصب.
قلنا: الجواب -انتبه، وهذا أهم شيء في هذه المسألة-: النزاع لم يقع إلا في الصلاة مقيدة بقيد الغصب وهي مختصة؛ لأننا قلنا: المسألة مفروضة في الفعل الواحد بالشخص، فهي صلاة معينة، والذي يقول بانفكاك الجهة إنما يقول بانفكاك الجهة في العقل، لا وجود له في الخارج، إذا قلنا هذا الذي يصلي على أرض مغصوبة، حينئذٍ يحتمل أنها .. الصلاة منفكة عن الأرض.
نقول: عندنا ثلاثة أشياء: أرض مغصوبة لا صلاة فيها"أمرٌ"، يقابله: صلاة لا في أرض مغصوبة، حينئذٍ الثالث: ما جمع الأمرين.
إذا قلنا بأن الجهة منفكة بمعنى أننا تصورنا صلاة لا في هذه الأرض المغصوبة، هذا خلاف الواقع؛ لأننا نتحدث عن مسألة معينة وهي: صلاة زيد في هذه الدار المغصوبة، ما حكمها؟ إذا قلت: انفكت الجهة، حينئذٍ تصورت زيدًا قد صلى لا في هذا المكان المغصوب، وتصورت مكانًا مغصوبًا لم يصل فيه زيد. وهذا فاسد، هذا لا يعتبر صحيحًا.
ولذلك قال هنا: النزاع لم يقع إلا في الصلاة مقيدة بقيد الغصب وهي مختصة، فلا نسلّم الأمر بها مقرونًا بالنهي؛ لأن النزاع في الصلاة شخصيًا، والواحد بالشخص لا تعدد فيه باعتبار عينه بأن يؤمر به وينهى عنه.
يعني: ليس عندنا أمرٌ ولا نهي، وليس عندنا إلا نهيٌ فحسب وهو كونه منهيًا عن الإفادة في هذه الأرض المغصوبة مطلقًا بأي حركة كانت، سواء كانت هذه الحركات هي أفعال الصلاة من قيام وسجود وركوع، أو غيرها، فإن فعل أي حركة كانت فحينئذٍ نقول: هذه الحركة منهي عنها.
وهذا النهي سابق على الأمر، ثم إذا جاء الأمر (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] نقول: لا يتناول هذا الأمر هذه الحركات، حينئذٍ لو صلى فصلاته منهي عنها، وليست مأمورًا بها البتة، فالجهة واحدة هنا.
ولا يتصور انفكاك الجهة إلا في العقل فحسب، وأما في الوجود فلا وجود للانفكاك البتة.
لأن النزاع في الصلاة شخصيًا، والواحد بالشخص لا تعدد فيه باعتبار عينه بأن يؤمر به وينهى عنه، فيقال بموجب الدليل؛ لأنه إنما اقتضى الأمر بالصلاة من حيث هي صلاة، والنزاع وقع في المقيد بقيد الغصب؛ لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال.
فتناول لفظ الصلاة بعمومه كل فرد من أفراد الصلاة بوصف مطلق المكان، ومطلق الزمان، ومطلق الحال.
فخصوص الدار المغصوبة لا يتناولها عموم الأمر، وهذا أصح مما ذكره ابن الخطيب لأنه سلّم العموم وادعى التخصيص بدليل عقلي.
وقال أيضًا: وأما أمر العبد بالخياطة فليس مطابقًا، لماذا؟ لأن الفعل الذي هو متعلق الأمر غير الفعل الذي هو متعلق النهي وليس بينهما تلازم، قال: خِط، لا تبق في هذا المكان، إذًا: مفترقان، وهنا الصلاة لا تنفك عن المكان.
لأن الفعل الذي هو متعلَّق الأمر غير الفعل الذي هو متعلق النهي وليس بينهما ملازمة، فلا جرم صح الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر، إنما النزاع في صحة تعلق الأمر والنهي بالشيء الواحد فأين أحدهما من الآخر.