أسقط ابن مفلح زيادة: (من أدلتها التفصيلية) كما قلنا: هذا أخذه من ابن الحاجب حيث قال هناك: وزيادة (عن أو من أدلتها التفصيلية) ضائع، يعني: لا حاجة إليه، لماذا؟ لأن قولنا: الفرعية يغني عنه، لا تكون إلا عن تفصيلية، إذا قلنا: (الأحكام الشرعية الفرعية) نسبة إلى فرع، الفرع من أين يؤخذ .. من دليل تفصيلي أو دليل إجمالي؟ دليل تفصيلي، إذًا لا حاجة إلى التفصيلية.
قال: لأن المراد بالأحكام: الفقهية ولا تكون إلا كذلك.
قال رحمه الله تعالى بعدما عرّف لنا أصول الفقه كما عرف الفقه وبين لنا من هو الفقيه أراد أن يبين لنا من هو الأصولي: (وَالْأُصُولِيُّ مَنْ عَرَفَهَا) .
(وَالْأُصُولِيُّ) أي: المرء المنسوب إلى الأصول أي: المتلبس به، يعني: لم يشترِ الكتب فحسب وإنما تلبس به، يعني صار عنده .. في صدره العلم نفسه، من حيث تلبسه لا من حيث إنه متهيئ لذلك مثلًا {فِي عُرْفِ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ} ، (مَنْ عَرَفَهَا) عرف ماذا؟ عرف القواعد، ولا بد في كلية القاعدة (عرف القواعد) هنا الكلام في الأصولي لا في أصول الفقه، عند جمهور الأصوليين أن مسمى الفقه ثلاثة أشياء: الأدلة الإجمالية، والمرجحات، وصفات المجتهد، أصول الفقه ثلاثة أشياء.
وهنا اقتصر المصنف على واحد فقط وهو القواعد، وهو كذلك، لكن الأصولي يشترط فيه: العلم بالمرجحات وتوفر أو وجود صفات المجتهد فيه.
فحينئذٍ كما قال ابن السبكي في جمع الجوامع: أن هذه المرجحات وصفات المجتهد إنما هي شرط في الأصولي لا في أصول الفقه، خلافًا لما جرى عليه الجمهور والخلاف لفظي في هذه المسألة، لكن المصنف هنا اقتصر على الأول لكن قوله: (مَنْ عَرَفَهَا) {أَيْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ} هذا لا يتأتى إلا بالعلم بالمرجحات؛ لأنه سيأتي عنده ما يعارض (كل أمر للوجوب) إذا جئنا كقاعدة هكذا مطلقًا: في الشرع (كل أمر للوجوب) ؟ الجواب: لا؛ لأنه قد يأتي صارف فلا يكون الأمر للوجوب، فإذا لم يعلم بالمرجحات كيف يتوصل إلى استثناءات هذه القاعدة؟ لا يمكن، كذلك من هو الذي يتكلم في هذه المسألة ويستثني إلى آخره؟ لا بد من العلم بصفات المجتهد، هذه إنما تكون في الأصولي لا في الفن نفسه، ولذلك هنا قوله: (مَنْ عَرَفَهَا) على الوجه التام يعني: لا بد أن يكون عالمًا بالمرجحات؛ لأنه لا يمكن أن يدفع التعارض إلا بذلك، ثم أن يكون هو أهلًا، ولذلك لما نُسب إلى أصول الفقه دل على أنه متمكن في هذا الفن.