فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1890

والمكروه باعتبار تقسيم الحكم السابق: ما اقتضى الشرع تركه اقتضاء غير جازم.

"ما اقتضى"يعني: فعل مكلف،"اقتضى": خرج ما لا اقتضاء فيه وهو المباح.

إذًا: كل ما عُبِّر بالاقتضاء خرج المباح؛ لأن المباح ليس فيه اقتضاء لا بالفعل ولا بالترك؛ لأنه التخيير بين الأمرين .. يستوي فيه الأمران، يجوز له أن يفعل ويجوز له أن يترك.

"اقتضاء الشرع تركه"خرج ما اقتضى الشرع فعله وهو الواجب والمندوب.

قال:"اقتضاء غير جازم"خرج به الحرام؛ لأنه اقتضاء ترك جازم، وهذا باعتبار محل الحكم ومتعلَّقه.

وأما الحكم نفسه فهو الكراهة، عرّفه المصنف بقوله: (وَهُوَ مَا مُدِحَ تَارِكُهُ، وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ وَلَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ) .

ما هو المكروه في اصطلاح أهل الشرع؟

(مَا) أي: فعل مكلف (مُدِحَ تَارِكُهُ) إذا تركه ترتب عليه المدح (وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ) يعني: إذا فعله لم يُذم؛ لأن الذم إنما يختص بالحرام، وأما المكروه ولو كان منهيًا عنه لا يُذم فاعله البتة، وإنما يمدح تاركه.

إذًا: عندنا ترك وعندنا فعل، التارك للمكروه يُمدح؛ لأنه ممتثل، لكن هل يثاب؟ نقول: لا يثاب إلا إذا نوى.

يعني: بناءً على القاعدة السابقة: أن الثواب يتعلق بالنية .. لا ثواب إلا بنية، فبعض الواجبات لا ثواب فيها إلا بنية، حينئذٍ يصح الفعل -كما قلنا النفقة على الزوجة ونحو ذلك- يصح الفعل وتبرأ به الذمة، لكنه لا يثاب عليه إلا إذا نوى القربى .. أنه امتثل طاعة لله عز وجل وأنفق على الزوجة وعلى الأولاد ونحو ذلك، وأما إذا لم ينو ولم يستحضر لا يثاب.

كذلك تارك المحرم كترك الزنا والربا ونحو ذلك، هل يثاب؟ نقول: لا يثاب إلا إذا نوى، يعني قصد القربى، وأنه ما ترك إلا لأجل الله تعالى.

كذلك المكروه لا يثاب إلا إذا نوى.

إذًا: القاعدة في الثواب هو النية، فإن وُجدت النية حينئذٍ وُجد الثواب وإلا فلا.

وبعض الواجبات إذا لم توجد النية بطل الفعل كالصلاة والصوم والزكاة والحج، هذه النية مصحِّحة للفعل وليست مترتبًا عليها الثواب فحسب، بل هي مصححة للفعل يعني لا عمل إلا بنية، والتفصيل على ما ذُكر.

إذًا: (مَا مُدِحَ) خرج بقوله: (مَا مُدِحَ) المباح؛ فإن المباح لا مدح فيه ولا ذم.

وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (تَارِكُهُ) .. (مُدِحَ تَارِكُهُ) ، خرج الواجب لأنه يمدح فاعله، وخرج المندوب لأنه يُمدح فاعله.

فإن فاعل الواجب والمندوب يُمدح لا تارك الواجب والمندوب، فإنه يذم في الواجب دون المندوب.

{وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ: الْحَرَامُ، فَإِنَّهُ يُذَمُّ فَاعِلُهُ، لأَنَّهُ وَإِنْ شَارَكَ الْمَكْرُوهَ فِي الْمَدْحِ بِالتَّرْكِ فَإِنَّهُ يُفَارِقُهُ فِي ذَمِّ فَاعِلِهِ} .

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ) .

يعني: أنه لو فعل المكروه هل يثاب أو لا؟ العكس، هو الذي ينبغي أن يُنص عليه، لا ثواب في فعله، لو قال: لا ثواب في تركه إلا بنية استقام الأمر، لكن كونه إذا فُعل هل يثاب أو لا يثاب؟ إذا فُعل المكروه يعني: المنهي عنه نهي كراهة، إذا فعله هل يثاب أو لا يثاب؟ هذه محل نزاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت