{لأَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا أَنَّهُ عَلَى وِزَانِ الْمَنْدُوبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ تَكْلِيفٌ وَمَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً عَلَى الأَصَحِّ} .
فإن قلنا: المندوب مأمور به مجازًا فالمكروه منهي عنه مجازًا؛ لأنه مثله.
وإن قلنا: المندوب تكليف وهو الأصح فالمكروه تكليف على الصحيح.
وإن قلنا: المندوب غير تكليف فالمكروه غير تكليف، فهو على وِزانه سواء؛ لأنه مقابله.
قال: (وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لاَ يَتَنَاوَلُهُ) .
يعني: لا يتناول المكروه.
مطلق الأمر لا يتناول المكروه. يعني: المأمور إذا كان بعض جزئياته منهيًا عنه نهي تنزيه أو تحريم، لا يدخل ذلك المنهي عنه منها في المأمور به، فإذا أمر بصلاة حينئذٍ نقول: ثم فرد من أفراد الصلاة قد تعلق به نهي، هل يدخل في هذا الأمر أم لا؟ نقول: لا يتناوله.
ولذلك قلنا في الصلاة في الدار المغصوبة قوله: أقيموا الصلاة. لا يتناول هذه الصلاة؛ لأن الأمر على جهة الإطلاق لا يتناول إلا ما اشتمل على الشروط وإذا انتفت الموانع.
وأما إذا تعلق به ما يسمى منهيًا عنه أو ما يوصف بكونه منهيًا عنه فحينئذٍ نقول: لا يشمله الأمر.
حينئذٍ الصلاة منها مأمور بها ومنها منهي عنها، والصوم منه مأمور به ومنه منهي عنه.
فإذا أمر بصلاة لا تدخل الصلاة المنهي عنها، وإذا أمر بصوم لا يدخل الصوم المنهي عنه، ولذلك إذا صام يوم العيد وأيام التشريق فالصوم باطل، لا نقول: يتناوله الأدلة الدالة على صحة الصوم، لماذا؟ لأن هذا فرد منهي عنه.
فكل فرد من أفراد العبادات تعلق بها النهي حينئذٍ الأوامر الدالة على إيقاع تلك العبادات لا يشمل هذه المنهيات، هذا الذي عناه المصنف هنا.
لأن النهي ضد الأمر، والشيء لا يدخل في ضده، فتحية المسجد مثلًا مأمور بها، فإذا دخل المسجد وقت نهي فتلك الصلاة منهيٌ عنها لوقت النهي، لم تدخل في الأمر للمضادة التي بين الأمر والنهي وهكذا.
قال هنا: (وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لاَ يَتَنَاوَلُهُ) أي: لا يتناول المكروه، وهذا هو الصحيح.
{وَقِيلَ: بَلَى} يدخل تحته.
وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ بأنه لا يتناوله {بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ} إذا نهى الشارع عن شيء ما إما على جهة الجزم أو لا، نقول: هذا مطلوب الترك، فالمحرم مطلوب الترك، والمكروه مطلوب الترك.
{وَالْمَأْمُورَ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَلاَ يَصِحُّ الاِسْتِدْلاَل لِصِحَّةِ طَوَافِ الْمُحْدِثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) )} لأنه مطلق، لا يستدل أحد على أن الطواف بدون طهارة يصح لقوله تعالى: (( وَلْيَطَّوَّفُوا ) )لأن هذا الطواف إنما يصدق على الطواف الذي وُجد شرطه وهو الطهارة، وأما طواف لا طهارة معه فهذا منهي عنه، فلا يتناوله الأمر، وهكذا الشأن في سائر الأحكام الشرعية.