(مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى) أي: التوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية أو معرفة كيف استنبطت إذا تعذر إمكان الاستنباط، وهذا فيما إذا كان مقلدًا. إذا تعذر إمكان الاستنباط والاجتهاد وليستند العلم إلى أصله، فالنظر في أصول الفقه يكون من جهتين:
أولًا: الاستنباط مباشرة، وهذه عند المجتهد.
والثاني: أن يعرف مآخذ العلماء.
ولذلك لما شاع التقليد بل أوجبوه عند المتأخرين ومع ذلك يؤلفون في أصول الفقه، ويقررون أصول الفقه ويدرسون أصول الفقه، وجمع الجوامع جمعه من زهاء مائة مصنف وأوجب في آخره أو خاتمة الكتاب بأنه يجب تقليد مذهب من المذاهب، إذًا ما الفائدة من تعلم أصول الفقه؟ ما الفائدة إذا قيل بأنه يجب أنه يقلد مذهبًا من المذاهب؟ قالوا: هنا فائدة أصول الفقه لنعرف مآخذ الأئمة، كيف استنبطوا هذه الأحكام من الأدلة، وأما نحن فليس عندنا القدرة إلى ذلك، هذا باطل، ولذلك نقل ابن عبد البر رحمه الله تعالى الإجماع على أن المقلد ليس من أهل العلم، الصحيح أن الاجتهاد موجود في كل زمن، لكن بشرطه، ليس الاجتهاد مجالًا لكل من هب ودب.
والآن يحارب التقليد من كل وجه وهذا غلط، ويفتح باب الاجتهاد من كل وجه وهذا غلط، بل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد يأتي معنا: أنه لا يقال بتحريم التقليد مطلقًا ولا يقال بإيجاب التقليد مطلقًا، بل ينظر في حال الناظر: إن كان أهلًا بأن تعلم أصول الفقه ونظر في قواعد اللغة وكان عنده شيء من الأهلية في النظر في أدلة الكتاب والسنة، حينئذٍ تعين عليه الاجتهاد، وهذا واجبه.
وإذا كان دون ذلك ولو كان طالب علم، حينئذٍ يجب عليه التقليد، وما وجد الآن في العصر .. الآن يشتكون طلاب العلم من الفتاوى هذه الظاهرة الآن، ما سببها؟ فتح باب الاجتهاد على الإطلاق، ورحم الله الشيخ الألباني قال: (كنا نشتكي من الجمود، والآن نشتكي من الانفلات) هذا قبل عشر سنوات، كنا نشتكي من الجمود يعني: الوقوف على المذاهب الأربعة، ولذلك من الخطأ في محاربة المذاهب الأربعة أن تحارب على العموم يعني: دون تفصيل فيها، وهذا غلط، ولما حوربت المذاهب الأربعة وقُرِّر للطلاب أنه لا بد من متابعة الدليل ولا بد من الاجتهاد، صار المبتدئ يريد أن يجتهد، ولذلك تجد طالب العلم وهو مبتدئ يقول: أنا ما ترجح عندي هذا، ويأخذ بنفسه وينظر ويبحث وتكون النتيجة، هذا آثم، لماذا؟ لأنه قفا ما ليس له به علم (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ) [الإسراء:36] (لا تَقْفُ) هذا نهي، والنهي للتحريم، فيحرم عليك أن تنظر أنت بنفسك دون أن تكون أهلًا، فالواجب في شأنك التقليد.
إذًا: (وَغَايَتُهَا مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلُ بِهَا) هذه ثمرة يعني: ليس مقيدًا لغاية أصول الفقه العمل، العمل شيء زائد، هو ثمرة العلم، وأما أنه داخل في مفهوم غاية أصول الفقه فلا، (وَالْعَمَلُ بِهَا) أي: بالأحكام الشرعية، إذ الاستنباط على الوجه المذكور موصل إلى العلم، وبالعلم يتمكن المتصف به من العمل الموصل إلى خيري الدنيا والآخرة.