كذلك قيل: {التَّسْوِيدِ الْمُوجِبِ، أَيْ الْمُؤَثِّرِ لِلسَّوَادِ} إذا سوّد الموضع باللون الأسود لزم منه السواد، التسويد فعل الفاعل، تأخذ اللون الأسود وتجعله على مكان ما، هذا تسويد، السواد هو الأثر، حينئذٍ يُصبَغ الموضع باللون الأسود، اللون الأسود لازم للتسويد، كما أنك إذا حركت الإصبع وأنت لابس للخاتم، قالوا: تحرك الخاتم بتحرك إصبعك، أليس كذلك؟ أنت لابس للساعة مثلًا، حركت يدك فتحركت الساعة، لماذا؟ لتحرك اليد، حينئذٍ لزم من حركة اليد حركة الساعة وهكذا، هذا يسمى حكمًا عقليًا.
قال: (لِمَا أَوْجَبَ حُكْمًا عَقْلِيًّا) يعني لا محالة.
(لِذَاتِهِ) يعني: لا لأمر خارج عنه.
(كَكَسْرٍ لانْكِسَارٍ) أي أن الكسر علة عقلية للانكسار؛ حيث إن الكسر بذاته أثَّر فأحدث الانكسار .. ترتب عليه الانكسار.
أي سمي انكسارًا لعلة كونه كسرًا لاَ لأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ وَضْعِيٍّ أَوْ اصْطِلاحِيٍّ.
وَهَكَذَا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ. هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِذَوَاتِهَا بِهَذَا الْمَعْنَى.
يعني: موجبة لوجود معلولها كالتسويد علة للسواد، عندنا علة ومعلول، الكسر والانكسار أين العلة؟ الكسر، أين المعلول؟ الانكسار.
التسويد والسواد أين العلة؟ التسويد، أين المعلول؟ السواد .. وهكذا.
العلاقة هنا علاقة عقلية، وبينهما تلازم في الوجود، سُميت علة عقلية.
و {هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِذَوَاتِهَا بِهَذَا الْمَعْنَى} فهي موجبة لوجود معلولها فالتسويد علة للسواد.
{كَالتَّحْرِيكِ الْمُوجِبِ لِلْحَرَكَةِ، وَالتَّسْكِينِ الْمُوجِبِ لِلسُّكُونِ} .
إذًا: هذا هو المعنى العقلي للعلة.
(ثُمَّ شَرْعًا) يعني: {ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ الْعِلَّةُ شَرْعًا أَيْ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ، فَجُعِلَتْ فِيهِ لِمَعَانٍ ثَلاثَةٍ} .
يعني في استعمال أرباب الشرع .. اصطلاح الفقهاء والأصوليين، العلة لها ثلاثة معان.
المعنى الأول: قال أطلقوه بإيزاء: (مَا أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا) هناك في العلة العقلية (لِمَا أَوْجَبَ حُكْمًا عَقْلِيًّا) فتأثروا بطريقة المتكلمين فجعلوا العلة الشرعية كالعلة العقلية، إلا أن الأثر هناك عقلي وهنا شرعي، ولذلك قيل: (مَا) معنىً (أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا) .
{أَيْ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْحُكْمُ}
(لاَ مَحَالَةَ) {أَيْ قَطْعًا} أي المعنى الذي أوجب حكمًا شرعيًا قطعًا، أي: المعنى الذي يوجد عند وجوده الحكم، لا محالة هو العلة.
قال الغزالي: والعلة موجبة، يعني عرَّف هنا، قال في العلة: (مَا أَوْجَبَ) وقال في العلة الشرعية: (مَا أَوْجَبَ) .
إذًا: هل بينهما فرق أم لا؟
قال الغزالي: والعلة موجبة يعني: سواء كانت عقلية أو شرعية، لكن ثم خلاف في تفسير الموجب.
أما العقلية فبذاتها يعني: دون أمر خارجي لا من اصطلاح ولا من وضعي.
وأما الشرعية فليس بذاتها، فبجعل الشارع إياها علة موجبة، يعني: ثم واسطة، أما العلة العقلية فليس واسطة بين العلة والمعلول، وأما العلة الشرعية فثم واسطة، وهو كون هذه العلة ليست لذاتها وإنما بفعل فاعل، أو بجعل جاعل وهو الله عز وجل، لما نُسبت إلى الشرع حينئذٍ قلنا: بفعل الفاعل وهو الله عز وجل.