قال: وأما الشرعية فبجعل الشارع إياها علة موجبة، فالذي جعل العلة موجبة في العقلية هو العقل دون واسطة، والذي جعل العلة الشرعية موجبة هو الله عز وجل فثم واسطة.
قال: على معنى. يعني: كيف نقول جعل الشارع إياها علة موجبة؟ قال: على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، فالسرقة مثلًا علة كما سيأتي، هي سبب كما مر وتسمى كذلك علة.
فالسرقة علة موجبة للحكم وهو القطع، من الذي أوجب؟ الله عز وجل، ما معنى هذا الإيجاب؟ أضاف الباري جل وعلا القطع إلى السرقة، كأنه قال: إذا سرق بشرطه حينئذٍ جاء الحكم الشرعي وهو القطع.
فالإضافة والإسناد وبيان الارتباط بين السرقة وبين القطع هذا من جهة الشارع.
ومن هنا قلنا: الأحكام الوضعية هذه كلها شرعية لا عقلية.
إذًا عرفنا مراد (مَا أَوْجَبَ) المراد به في العقلية بذاتها، والمراد به في الشرعية: بجعل الشارع إياها موجبة للحكم.
قال هنا: على معنى إضافة الوجوب إليها كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى، ولكن ينبغي أن نفهم الإيجاب كما ورد به الشرع، وقد ورد بأن السرقة توجب القطع، وأن الزنا يوجب الرجم وهكذا.
هذا تفسير لقوله: مراد (مَا أَوْجَبَ) ؛ لأن اللفظ واحد، استعيرت العلة العقلية فجعلت في أحد معاني العلة الشرعية، ثم عُبِّر بلفظ هو عينه عند المتكلمين.
فالشارع كما قال البناني: ربط بين العلة ومعلولها، والذي ربط بين العلة ومعلولها في العقل هو العقل.
ربطًا عاديًا بحيث إن وجود العلة يستلزم وجود معلولها عندها، أي: متى تحققت العلة وجد الحكم.
وعلى هذا لا فرق بين تلك الأشياء المتعلقة بالحكم وهي المقتضي، والشرط، والمحل، والأهل؛ حيث إن العلة هي المجموع المركب مما ذُكر كما قال المصنف: (وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضِيهِ وَشَرْطِهِ، وَمَحَلِّهِ، وَأَهْلِهِ) هذا النوع الأول (أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا) يعني: ما وجد عنده الحكم وأضافه الشرع إليه، وكان ثم ارتباط بين العلة والمعلول من جهة الشرع لا محالة. أي: قطعًا، يعني: لا يتخلف عنه البتة.
(وَهُوَ) أي: هذا المعنى الأول (الْمُرَكَّبُ) يعني: المجموع المركب، هو الذي يسمى علة، ما هو الذي أوجب حكمًا شرعيًا لا محالة؟ قال: مقتضي الحكم.
يعني: الطالب لذلك الحكم وهو المعنى الذي رُتب عليه، (وَشَرْطِهِ) له شرط، (وَمَحَلِّهِ، وَأَهْلِهِ) هذه الأربعة مجموع مركب، تسمى علة، حينئذٍ تكون هذه العلة لها أجزاء، (مَا أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لا مَحَالَةَ) نوع من أنواع العلة، أو من مسميات العلة، هل هي بسيطة أو مركبة؟ نقول: هي مركبة.
مركبة من ماذا؟
من أربعة أشياء معدودة: المقتضي للحكم الشرعي، والمحل، والشرط، والأهل.
قال: {تَشْبِيهًا بِأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ} .
يعني: شبهوا هذه العلة الشرعية بالعلة العقلية، كما أن العلة العقلية لها أجزاء، فكذلك العلة الشرعية المشبَّهة بتلك العلة لها أجزاء.
{وَذَلِكَ} ما وجه الشبه؟ أراد أن يفسره.