والأحكام متفق عليها؛ لأنهم اتفقوا على أنه موافق لأمر الله تعالى، نعم هو لم يتعمد وإنما ظن أنه متطهر، إذًا: وافق أمر الله تعالى، فعلى كلا الصورتين هو أقدم على صلاة ممتثلًا لأمر الله تعالى؛ لأن الظن معتبر في كونه متطهرًا، وأنه يثاب عليها، يثاب أو لا يثاب؟ يثاب عليها لا شك.
لكن ثواب صلاة أو ثواب طاعة؟ الثاني، ليس ثواب صلاة لأنها ليست بصلاة، فكيف يترتب الثواب على شيء لم يوجد شرعًا؟ وإنما الثواب يكون فيما فعله، ولذلك لو أحدث عدمًا .. شخصٌ ما توضأ في بيته مبكرًا ودخل وصلى وقرأ القرآن، ثم قام فأقيمت الصلاة فكبّر وسبّح وقرأ، وفي الركعة الثالثة أو الرابعة أحدث، هل يؤجر على ما مضى؟ قطعًا يؤجر؛ لأنها وقعت طاعات، أما كونه يؤجر على الصلاة بثواب صلاة فلا، أما كون ما وقع منه طاعات وما نوى به من الصف الأول أو ما قرأه من الفاتحة أو ما بعدها كل هذا يعتبر من الطاعات.
فهنا يثاب عليها على القولين، لكن لا يثاب عليها ثواب صلاة.
وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يتبين حدثه، اتفقوا على هذا، إذا لم يتبين الحدث لا يجب عليه القضاء، هذا قولًا واحدًا، لماذا؟ لأن اليقين غير معتبر هنا، يعني: الحكم بالطهارة وعدمها يكفي فيه الظن.
ويجب إذا تبين. هذا من الأحكام المتفق عليها، إذا لم يتبين صلاتُه صحيحة، وإذا تبين له الحدث فحينئذٍ ماذا؟
"ويجب إذا تبين"يعني: يجب عليه القضاء إذا تبين، ولكن خلافهم في لفظ الصحة.
هل وُضع لما وافق الأمر سواء أوجب القضاء أم لم يجب، أو لما لم يمكن أن يتعقبه قضاء؟
يعني: لفظ الصحة في الشرع، ما مدلوله؟ هل مدلوله ما وافق الشرع ولو لم يسقط القضاء، أم مدلوله ما أسقط القضاء؟ هذا محل النزاع.
ومذهب الفقهاء هنا أصح وأصلح.
وقيل: الخلاف معنوي، هذا أورده الزركشي في تشنيف المسامع بأن الخلاف لفظي ثم رده، قال: بل الخلاف معنويٌ، والمتكلمون لا يوجبون القضاء، هنا محل معرفة الخلاف لفظي أو معنوي، هل المتكلمون يوجبون القضاء أم لا؟
فإن لم يوجبوا القضاء فالخلاف معنوي، معناه لو تبين حدثه بعدما صلى ظانًا الطهارة، لا يجب عليه قضاء .. صلاته صحيحة، هل هذا يسوغ شرعًا؟ لا يسوغ شرعًا.
فلذلك نقول: مبنى الخلاف هنا هل هو لفظي أو معنوي؟ مبناه على إيجاب المتكلمين القضاء، هل يوجبون القضاء أم لا؟
أكثر المتكلمين يوجبون القضاء، لكن ثلة منهم لا يوجبون القضاء، فحينئذٍ يتوزع الخلاف: مع من أوجب القضاء فالخلاف لفظي، وأما من لم يوجب القضاء فالخلاف معنوي ولا شك، فحينئذٍ لا نطلق القولين؛ لأنه وجد من المتكلمين من يسقط القضاء بهذه الصلاة التي ظن أنها متطهر ثم تبين خلاف ذلك.
وقيل: الخلاف معنوي، والمتكلمون لا يوجبون القضاء، ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك؛ فإن الصحة هي الغاية من العبادة، والخلاف بينهم على أصل يعني: غير الأصل الذي اشتهر عند الأصوليين وهو: أن الفقهاء نظروا لما في نفس الأمر، والمتكلمون نظروا إلى ظن المكلَّف.
ثَم تعليل آخر وهو: أن الفقهاء اعتمدوا في تعريف الصحة أنه لا يجب القضاء بأمر جديد، بل بالأمر السابق، وأما المتكلمون فلا يوجبون القضاء إلا بأمر جديد.