إذًا: تعليل الخلاف في المسألتين له اعتباران، بعضهم يرى إلى مسألة: ظن المكلَّف أو لما في نفس الأمر.
والزركشي يرى غير ذلك وهو الذي قدمه في المراقي.
قال: والخلاف بينهم على أصلٍ وهو أن القضاء: هل يجب بالأمر الأول أو بمتجدد؟ لا شك أن الصواب هو الثاني، أن القضاء لا يجب إلا بأمر متجدد، لكن هذه المسألة منفكة عن المسألة السابقة، في كونها تفيد الصحة أو لا.
فعلى الأول بنا الفقهاء قولهم: إنها سقوط القضاء، وعلى الثاني بنا المتكلمون قولهم: إنها موافقة الأمر، فلا يوجبون القضاء ما لم يرد نص جديد. لكن ما نسبه الزركشي فيه نظر؛ لكون أكثر المتكلمين لا يوجبون القضاء، والصواب أنهم يوجبون القضاء، وإنما ثلة قليلة لا يوجبون القضاء، وعلى ذلك الخلاف لفظي مع أكثرهم، ومعنوي مع قلة منهم.
{قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْبِنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ} يعني: بناء المتكلمين بأنهم نظروا لظن المكلَّف، والفقهاء لما في نفس الأمر.
{قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْبِنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ مَنْ قَالَ: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ} وهو قول المتكلمين {إِنْ أَرَادَ الأَمْرَ الأَصْلِيَّ: فَلَمْ تَسْقُطْ، أَوِ الأَمْرَ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ} كذلك لم تسقط؛ لأنه متفق عليه أنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه، فإن نظرنا إلى الأصل فهو مطالب بصلاة صحيحة مستوفية للشروط ومنها الطهارة، إذًا: لم يوافق الأصل.
وإن نظرنا إلى ظن المكلَّف كذلك لم يوافق، لماذا؟ لأنه تبين أن هذا الظن خطأ، وإنما يعتبر الشارع الظن ويبني عليه الأحكام متى؟ إذا لم يتبين خطؤه، وأما إذا تبين خطؤه فلا.
ولذلك اعتراض ابن دقيق هنا في محله: {مَنْ قَالَ: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ إِنْ أَرَادَ الأَمْرَ الأَصْلِيَّ: فَلَمْ تَسْقُطْ، أَوْ الأَمْرَ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الظَّنِّ. فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ تَكُونَ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ عَدَمُ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ الأَصْلِيِّ وَلاَ الأَمْرِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ} .
فحينئذٍ كيف يقال: موافقة الأمر؟ هي لم توافق الأمر، أيُّ أمر هذا؟
إن أردت الأمر"أقيموا الصلاة"ما أمر بصلاة بدون طهارة، وقد تبين أنه صلى متطهرًا، إذًا: لم توافق الأمر الأصلي، وإن قلنا: وافقت ظن المكلَّف، تبين خطؤه، أين هو؟ ليس عندنا ظن هنا يعتبر في الشرع، هذا تعليل جيد من ابن دقيق رحمه الله تعالى.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ.
قَالَ: وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ وهو كذلك، خلافًا لما نسبه الزركشي في تشنيف المسامع.
{وَقَطَعُوا بِهِ} يعني: القضاء {وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَيَكُونُ الْخِلافُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِيًّا} .
يعني: مع الأكثر من المتكلمين؛ لاتفاق الفريقين على أنه إن لم يتبين الحدث فقد أدى ما عليه ويثاب وإلا فيجب القضاء.
هذا ما يتعلق بالصحة عند الفقهاء والمتكلمين.
فعند الفقهاء: سقوط القضاء بالفعل، وعند المتكلمين: موافقة ذي الوجهين الشرع. هذا في العبادة.
(وَفِي مُعَامَلَةٍ) الصحة في المعاملة.