{لأَنَّهُ سَبَبٌ لإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ} وكل ما يكون وسيلة لإحياء النفس فهو واجب بناء على قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وحفظ النفوس واجب، إذًا: الأكل من الميتة واجب؛ لأنه يحصل به حفظ النفوس، وحفظ النفوس هذا واجب.
قال: {لأَنَّ النُّفُوسَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيَجِبُ حِفْظُهَا لِيَسْتَوْفِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقَّهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّكَالِيفِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ ) )، وَقَالَ تَعَالَى: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) )} .
وقيل: لا يلزم الأكل من الميتة بل يجوز، نحن قلنا: أكل الميتة واجب على الصحيح، قيل: لا. لا يجب بل يجوز، ونازع بعضهم في مجامعة الرخصة للوجوب، هذا فيه فائدة جيدة.
يعني: الرخصة لا يمكن أن تكون واجبة، لماذا؟
لأن الرخصة تقتضي التسهيل، فيه حكم غيّر من صعوبة إلى سهولة، المعنى اللغوي موجود في مقتضى الرخصة عند الأصوليين، فالرخصة تقتضي التسهيل.
وقيل: الصحيح أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة.
إذًا: قيل -القول الأول-: أكل المضطر للميتة واجب رخصة، فيقول: رخصة وهي واجبة.
قيل: ليس بواجب بل يجوز، يعني: يجوز له أن يُقدم ويجوز أن يترك ولو مات.
قول ثالث قال: لا. ليس أكل الميتة للمضطر من الرخص أصلًا وإنما هو عزيمة.
قال: ألكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وليس تناول الميتة من رخص السفر بل هو من نتائج الضرورة.
نعم هو كذلك، يعني: ليس مقيدًا بالسفر، وإنما قد تكون المجاعة في بلد ما، وكلهم مقيمون، إذا حصلت المجاعة، حينئذٍ جاز لهم الإقدام.
إذًا: أكل الميتة ليس خاصًا بالسفر، هذا مسلَّ، م بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا وهو الصحيح عندنا -يعني: عندهم وألكيا هذا شافعي-.
وقال ابن دقيق العيد متوسطًا ومنقحًا بين القولين: لا مانع -وهذا قول جيد- لا مانع من أن يطلق عليه رخصة من وجه وعزيمة من وجه.
كونه فيه تغيير وتسهيل هذا لا شك أنه رخصة، وكونه يوصف بالوجوب والوجوب يخالف التيسر في الأصل من حيث هو؛ لأنه تكليف، هذا يسمى عزيمة.
إذًا: توسط بين الأمرين، لا مانع من أن يطلق عليه رخصة من وجه وعزيمة من وجه.
والكلام في أكل الميتة للمضطر، فمن حيث قيام الدليل المانع نسميه رخصة يعني: باعتبار أخذه بقوله تعالى: (( فَمَنِ اضْطُرَّ ) ) [المائدة:3] إلى آخره، لما أخذ بهذا الدليل وهو مانع حينئذٍ يسمى رخصة، ومن حيث الوجوب نسميه عزيمة.
فائدة: اختلف العلماء في حكم الميتة في حال الضرورة أنها تصير مباحة أو تبقى على الحرمة؟ يعني: إذا قيل: جاز له أن يأكل أو وجب له أن يأكل، الأصل ماذا؟ الأصل التحريم، والأصل أنها حُرِّمت لخبثها، فإذا اضطر فأكل هل يأكل محرمًا جاز له الأكل مع بقاء التحريم أو انقلب الحكم مع علته؟