(إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) مر معنا معنى الخطاب: توجيه الكلام للغير على المعنى المصدري، أو بمعنى المخاطَب به. وقلنا: على مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا فرق بين المعنيين، فلنا أن نجعله بالمعنى المصدري: توجيه الكلام إلى الغير للإفهام أو مطلقًا، أو نقول: الخطاب بمعنى المخاطب به.
ولا إشكال، إما أن يُفسَّر بنفس الكلام أو بالتوجيه، ولا اعتراض لأن الرب جل وعلا يوصف بصفة الكلام، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد، فيوجد حينئذٍ الخطاب ولا إشكال.
إذًا: (خِطَابِ الشَّرْعِ) مر معنا تفسيره.
(مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) يعني: مدلول خطاب الشرع، وهذا وفاقًا على ما اختاره المصنف في حد الحكم الشرعي؛ حيث قال هناك: مدلول خطاب الشرع، ومدلول خطاب الشرع هو مقتضى خطاب الشرع، فلا فرق بينهما.
وإنما زاد هنا كلمة: (إِلْزَامُ) ليصدق عليه ماذا؟ أنه تكليف.
حينئذٍ يكون هذا النوع: بعض ما دل عليه تعريف الحكم الشرعي فيما سبق، لما قال: مدلول خطاب الشرع قد يكون ملزمًا به وقد لا يكون؛ لأنه يشمل الوضعي والتكليفي.
وهنا أراد ماذا؟ أراد التكليف من حيث هو تكليف، فحينئذٍ لا بد أن يأتي بكلمة إلزام فزادها للانفصال والانفكاك عن الحكم الوضعي.
(إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) ومدلول خطاب الشرع هذا يتناول كما مر في الحد السابق الأحكام الخمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
لكن الإباحة حكم شرعي ولا شك، هل هي حكم تكليفي؟ الجواب: لا، وإنما شاع ذكرها في ضمن الأحكام التكليفية لأحد أمرين: إما لكون المباح يجب اعتقاد كونه مباحًا، والوجوب حكمٌ شرعي.
فحينئذٍ المباح صار متضمنًا لحكمٍ شرعي تكليفي فصارت حكمًا تكليفيًا، وهذا المعنى فاسد، لماذا؟
لأن جميع الأحكام الشرعية يجب اعتقادها، فالمندوب يجب اعتقاده مندوبًا، لا يجوز، ولذلك المندوب يجوز تركه لكن لا يجوز اعتقاد جواز تركه، فرق بين المسألتين، وقد نبه على ذلك -يعني: هذا النص- ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يجوز تركه، يعني: التلبس به، لكن الاعتقاد لا يجوز تركه؛ لأنه راجح، المندوب راجحٌ وتركه مرجوح، فيجب أن تعتقد أنه راجح، أما الفعل والتلبس فهذا لك الخيار فيه. فالتخيير بين الفعل والترك إنما يكون لا في الاعتقاد وإنما في التلبس.
إذًا: كون المباح يجب اعتقاده ومن هذه الحيثية أُدخل في الأحكام التكليفية، نقول: هذا وجه ضعيف؛ لأن هذا الاعتقاد واجب في جميع الأحكام الشرعية.
فالواجب يجب اعتقاد وجوبه، والمندوب يجب اعتقاد ندبيته، والتحريم يجب اعتقاد تحريمه .. وهكذا.
فحينئذٍ نقول: استوى في الأحكام كلها.
أو يكون إدخال حكم الإباحة هنا لاختصاص: اتِّصَافِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ بها دُونَ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وهذا مر معنا أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لأن الذي يوصف .. قلنا: الفعل صادر من المكلَّف أو لا؟ صادر من المكلَّف، ما الذي يوصف بكونه مباحًا؟ فعل من صح منه الفعل، ومن الذي يصح منه الفعل؟ المكلَّف.
إذًا: الصبي لا يوصف فعله بكونه مباحًا، لماذا؟