لأن الخطاب الشرعي لا يتعلق بالصبي، ما هو الحكم الشرعي؟ خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلَّف، قلنا هذا دال على ماذا؟ بالاقتضاء أو التخيير، ولا شك أن الإباحة حكم شرعي.
إذًا: هي من خطاب الله تعالى، وخطاب الله تعالى إنما يتعلق بمن؟ بفعل المكلَّف.
إذًا: الصبي فعله لا يسمى مباحًا، المجنون فعله لا يسمى مباحًا، كذلك البهيمة على قولٍ فعله لا يسمى مباحًا.
حينئذٍ أفعال غير المكلَّفين لا توصف بكونها مباحة، فاختص وصف المباح بالمكلف، وهذا أجود من سابقه وهو أولى.
ولذلك قال: {أَوْ اخْتِصَاصَ اتِّصَافِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهَا} فالذي يوصف الفعل بكونه مباحًا هو ما صدر عن المكلَّف، وأما ما لم يصدر عن المكلَّف كالصبي والمجنون فلا يوصف فعله بكونه مباحًا، لماذا؟ لأن التلبس بالمباح تلبسٌ بحكم شرعي، والحكم الشرعي لا يتعلق بالصبي، ولا يتعلق بالمجنون، ولا يتعلق بالبهيمة، ومر معنا ذلك في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
إذًا: (إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) .
{فَيَتَنَاوَلُ} حينئذٍ الحدُّ {الأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ} على الوجه الذي ذكرناه.
{الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ الْحَاصِلَيْنِ عَنْ الأَمْرِ، وَالْحَظْرَ وَالْكَرَاهَةَ الْحَاصِلَيْنِ عَنْ النَّهْيِ، وَالإِبَاحَةَ الْحَاصِلَةَ عَنْ التَّخْيِيرِ، إِذَا قُلْنَا إنَّهَا مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ} وهي كذلك من خطاب الشرعي ولا شك.
{وَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِي الْمُبَاحِ} على المعنيين المذكورين.
وقيل: التكليف هو الخطاب بأمرٍ أو نهي، فحينئذٍ ما الفرق بين الحدين؟ الحد الثاني هو الذي قدمه ابن قدامة في الروضة رحمه الله تعالى، وقال: الخطاب بأمر أو نهي.
فاختص حينئذٍ التكليف بغير المباح .. بأمر شمل الوجوب والندب، أو نهيًا شمل التحريم والكراهة، بقي المباح، فأخرجه نصًا، بخلاف كلام المصنف هنا قال: (إلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) فحينئذٍ كيف يكون فيه إلزام والمباح ليس فيه مباح؟ فلا بد من إخراجه.
فحينئذٍ نقول: من أراد أن يخرج المباح عن الأحكام التكليفية له ذلك، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي تكليفي ووضعي، والإباحة الأصل أنها تكون بين الأمرين هذا الأصل، يعني نقول: بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع.
والكل -الثلاثة الأنواع- أحكام شرعية، لكن لا شك أن التخيير ليس داخلًا في مفهوم الاقتضاء، وأن التخيير ليس داخلًا في مفهوم الوضع، فحينئذٍ هو وسط بين الأمرين.
من أراد إخراجه عن كونه حكمًا تكليفيًا عرَّف بما عرَّف به ابن قدامة في الروضة: الخطاب بأمرٍ أو نهي. ولا اعتراض عليه. لماذا؟
لأننا لسنا في مقام تعريف الحكم الشرعي حتى نُلزَم بإدخال المباح، إذا قيل: نحن نعرِّف الحكم الشرعي لا بد أن نأتي بالمباح؛ لأن المباح لا يخرج عنه، لكن نحن الآن نتحدث عن ماذا؟ عن التكليف الذي يُلزم ويخاطب به المكلَّف .. العبد، فيقال له: افعل ولا تفعل. دائمًا يذكر الأصوليين أن بابي الأمر والنهي هما قوام التكليف، بمعنى أن التكليف دائر بين افعل ولا تفعل.
افعل بمعنييه الحقيقي والمجازي، ولا تفعل بمعنييه الحقيقي والمجازي، وأما التخيير فهذا ليس داخلًا في مفهوم التخيير.