إذًا: فالأحكام التكليفية أربعة، هي على القولين أربعة ولا شك، وإنما وقع التسامح في إدخال المباح على المعنى السابق، لكن الذي أريد أن أصل إليه: أن قوله: (إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) إدخال المباح هنا فيه نوع إشكال، لو قيل: التكليف هو مقتضى خطاب الشرع، انتهينا .. لا إشكال فيه، لكن هل المباح فيه إلزام؟ الجواب: لا. ليس فيه إلزام.
قد يقال بأنه أُدخل المباح لأنه يجب اعتقاده على هذا المعنى يمكن، فيه إلزام من حيث وجوب الاعتقاد، لكن نقول: هذا التوجيه ضعيف؛ لأن غيره يجب اعتقاده كذلك.
بقي المعنى الثاني: وهو كونه لا يصدر إلا من فعل المكلَّف فلا يتصف به الصبي ولا المجنون، فيرد الإشكال على تعريف المصنف المباح، كيف تعبّر عنه بأنه إلزام، والأولى أن يعبَّر بما عبَّر به ابن قدامة في الروضة رحمه الله تعالى: التكليف الخطاب بأمر أو نهي، فالأحكام أربعة، فالمباح ليس حكمًا تكليفيًا وهو الصحيح، والله أعلم.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالْمَحْكُومُ بِهِ فِعْلٌ) .
التكليف له شروط، بعضه يرجع إلى المكلَّف وهو المحكوم عليه وتتعلق به، وبعضه يرجع إلى نفس الفعل المكلَّف به وهو المحكوم به وتتعلق به.
ولذلك أراد المصنف هنا أن يشرَع فيما يتعلق بالمحكوم به، وما هو المحكوم به؟ فعل المكلَّف، وله شروط، والمحكوم عليه، وهو الآدميُ وله شروط.
فحينئذٍ أراد أن يبين لنا شروط التكليف.
قال: (وَالْمَحْكُومُ بِهِ) يعني: على المكلف.
(وَالْمَحْكُومُ بِهِ) هو فعل المكلَّف.
وذلك لأن فعل المكلَّف يوصف بأنه مأمورٌ به أو منهيٌ عنه، ولذلك قلنا: الواجب والمحرم في الأدق في التعبير أن يقال: هذان وصفان لفعل المكلّف وليسا وصفين للخطاب أو الحكم، وإنما هما وصفان لفعل المكلَّف، تقول: فعَل واجبًا، ولا تقل: فعَل إيجابًا، هذا وصف لله عز وجل، ولا تقل: فعَل وجوبًا. وإنما فعَل واجبًا.
إذًا: الواجب هذا وصف لفعل المكلَّف، الذي فعله هو القيام والركوع والسجود والقراءة ونحوها، فحينئذٍ نقول: فعَل واجبًا. إذًا: فرق بين المسألتين.
الذي يتعلق به الحكم الشرعي أو التكليف هو فعل المكلّف ويسمى المحكوم به.
قال هنا: وأكثر الأصوليين يطلقون على فعل المكلَّف المحكوم فيه، ولذلك المصنف هنا قال: (وَالْمَحْكُومُ بِهِ) وفي التحرير: المحكومُ فيه. يعني: بدّل العبارة، هذا مما يغايَر بين مختصر التحرير وأصله.
عبَّر في الأصل: المحكوم فيه، وغيرها إلى: المحكوم به.
وأكثر الأصوليين في تعابيرهم إنما يطلقون على فعل المكلَّف: المحكوم فيه؛ لأن الشارع جعل الفعل محكومًا فيه بالوجوب أو التحريم.
على كلٍ: إن عبر بهذا أو ذاك لا إشكال فيه، وإنما هو تحرير للعبارة.
(وَالْمَحْكُومُ بِهِ) هو فعل المكلَّف.
قال: (فِعْلٌ) هذا خبر المبتدأ.
(وَالْمَحْكُومُ بِهِ فِعْلٌ) يعني: غير الفعل لا يكلّف به المرء وسيأتي أنه لا تكليف إلا بفعل.
(وَالْمَحْكُومُ بِهِ فِعْلٌ) أي المحكوم به هو الفعل الذي تعلق به خطاب الشرع اقتضاء أو تخييرًا، مر معنا أن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلَّف.